Print

رواية الكوميديا الفلاحية القسم الأول - Page 8

 

سرنا على الأقدام ، أنا والكاتب بالعدل من طريق السيارات وحتى القرية . كانت الساعة تقترب من التاسعة فقد كانت أشعة الشمس تلسع . وبينما كنت أحدثه عن شطارة إبني حمود اشتممنا رائحة احتراق غريبة تنفذ إلى خياشمنا . كانت الرائحة تشتد كلما اقتربنا من القرية ، ثم شاهدنا أدخنة تنبعث من أماكن عديدة من القرية والحقول ، ثم عرفنا أن كارثة قد وقعت في "قرية الذهب" .

ركضنا . ماذا حدث يا ترى ؟ هكذا تساءلنا . وقد سال دمعي وأنا أركض بصمت . وشاهدت السواد والدخان في أرضي أيضاً الواقعة خلف أرض الشيخ علي . وما أن وصلنا إلى الساحة حتى عرفنا مقدار الكارثة . كانت كل البيوت قد احترقت ما عدا الجامع وبيت المختار . حتى أن "الغرفة" كانت قد احترقت وسقط سقفها . وكان هناك عديد من الجثث ملقاة في الساحة رجال ونساء وأطفال . هرعت إلى بيتي الواقع خلف بيت الشيخ مسعود ، كان الدخان ما زال يتصاعد بكثافة من داخله أردت الدخول لمعرفة مصير أهلي . دفعت بقدمي حطام الباب المحترق ودلفت إلى الدهليز ومنه إلى صحن الدار ، وهناك كانت زوجتي الثانية فطمة وابنها حمود مذبوحين من الوريد إلى الوريد . ولكن لماذا ؟ ركضت من جديد إلى الساحة لأعرف لماذا حصل ما حصل . كانت الست كاميليا واقفة في حديقة منزل الشيخ معتوق بينما وقف الكاتب بالعدل ينظر إليها صامتاً . اقتربت منها وأنا أبكي . كانت هي الشخص الوحيد الذي يمكن أن يشرح لنا وكانت هي الشيء الوحيد الذي لم يصبه الحريق .

أدخلتنا إلى بيتها . قالت لنا أن أهل القرية جنّوا ليلاً ، وأنها لا تعرف السبب وأنها قد ارتعبت كثيراً وأن أرملة الشيخ معتوق القاعدة في العدة خرجت لتعرف ما يجري فقتلوها وأن غازي صاحب العشرين دخل إلى غرفة المختارية وأطلق الرصاص على الدكتور نجيب وقتله ، وأنها الآن وحيدة وخائفة وأنها لم تكن تعرف أن الناس قساة ومرعبون إلى هذا الحد .

راح الكاتب بالعدل يهدئ من روعها ويلاطفها . سألها عن السبب الذي استدعاه المختار من أجله فقالت لكي يقوم بتسجيل عقود البيع فسألها أن كان ذلك ضرورياً الآن فقالت نعم . ثم نهضت وأحضرت كمية من الأوراق من غرفة المختارية . التقطها الكاتب بالعدل وراح يتصفحها . رفع رأسه ونظر إلى الست كاميليا متعجباً . كانت عينا الست تعدان بأشياء كثيرة . فتح الكاتب دفتره ثم راح يسجل العقود ويضع عليها أختامه . لقد أصبحت ابنة الكلب مالكة لكل أراضي الشيخ معتوق وأبو مسعود والشيخ علي ومحسن صاحب الخمسة وعبد السميع صاحب الستة وعبد المهيمن صاحب العشرة رحمه الله عليهم أجمعين.