Print

رواية الكوميديا الفلاحية القسم الأول - Page 7

 

يقع بيت غازي صاحب العشرين مقابل منزل المختار ولكن من الجهة الأخرى للساحة . وفي تلك الليلة حين شتم غازي جاسم صاحب المائة رأس وقال له إنه كلب نجس ، رد عليه هذا وقال له إنه كذا وكذا فنهض الاثنان وأمسكا ببعضهما وراحا يكيلان لنفسيهما اللكمات والشتائم فوقف الآخرون بينهما وأبعدوهما عن بعضهما ثم جلس الشباربيون وهم : غازي صاحب العشرين ومحسن صاحب الخمسة وحميد صاحب الهكتار وفهمي الحلاق في الجهة اليمنى من المقهى بينما جلس الشايبيون وهم : جاسم وعبد السميع صاحب الستة وعبد المهيمن صاحب العشرة وأبو غالية صاحب المقهى في الجهة اليسرى منه .

قال فهمي الحلاق لجماعته إن الشايبيين حقراء بينما قال عبد السميع صاحب الستة أن الشباربيين أولاد حرام . فسمع كل طرف حديث الطرف الآخر فنهض فهمي الحلاق وغنى أهزوجة قال فيها :

الشايب مو حبايب والله الشايب خرايب

ولولا حكمة ملزوم ساقي المقهى ، الذي نصح الرجال بالانصراف إلى بيوتهم ، لحدث أمر لا يحمد عقباه .

وفي اليوم التالي فكر غازي صاحب العشرين ألاّ ينزل إلى المقهى فقرر ، بعد أن أرسل زوجته إفتكار للعمل في الأرض ، المكوث في البيت ، فصعد إلى السطح ومن هناك شاهد الست كاميليا جالسة قرب نافذتها . وما أن رأته حتى ابتسمت له فأرسل لها قبلة في الهواء فأمسكت بها ووضعتها على شفتيها بحركة أطارت له عقله .

وقفت الست كاميليا بشكل لا يراها أحد سوى غازي ثم راحت تبتسم له وتتنهد وتبادله القبلات الهوائية بمثلها وعندما أشار لها أن تأتى إلى منزله حركت يدها أمام عنقها لتعلمه أنها يمكن أن تذبح إذا ما فعلت ذلك ، إلاّ أنه وضع يده على قلبه وأخرج مسدسه من عبّه ليعلمها أنه سيقاتل من أجل حبه لها . ضمّت الست كاميليا ذراعيها إلى صدرها وهي سعيدة ثم أشارت له أنها ستاتي إليه في الساعة العاشرة بعد أن ينام الجميع .

وبينما هما على هذه الحال وإذ بصياح وسباب وشتائم تتعالى من جهة المقهى ثم تحول الأمر إلى عراك بالأيدي والعقالات ثم بالكراسي والطاولات وشاهد غازي وهو واقف على حافة السطح كيف حمل عبد السميع صاحب الستة حميدا صاحب الهكتار وقذفه فسقط على صندوق أدوات الشاي فتحطم الصندوق وتكسرت الكؤوس وانقلبت الأباريق وانقلب ملزوم الساقي واحترقت مؤخرته بالماء الحار ، ولكن عبد السميع لم يستطع أن يتمتع بفعلته هذه طويلاً فقد أسرع محسن صاحب الخمسة وحمل كرسياً وانهال به على رأس عبد السميع فتحطم الكرمي وسقط المضروب على الأرض فاقد الوعي ، بينما كان أبو غالية صاحب المقهى راكباً فوق فهمي الحلاق وهو يكيل له اللكمات والصفعات والبصقات في حين كان هذا الأخير يصرخ مستجيراً بالناس كي يخلصوه من هذا الثور الذي يكاد يقتله .

سمع الشيوخ الثلاثة الجالسون بمفردهم في "الغرفة" الضوضاء الآتية من ساحة القتال ، فهرعوا يستطلعون الأمر ، وما أن شاهدهم غازي يخرجون الواحد خلف الآخر حتى اختبأ وأغلقت الست كاميليا نافذتها وأسدلت الستارة عليها . وما أن وصلوا إلى المقهى حتى كانت المعركة قد انتهت وكان فهمي الحلاق وحميد صاحب الهكتار وعبد السميع صاحب الستة فاقدي الوعي وكان ملزوم قابعاً خلف صندوقه وقد عرّى مؤخرته وراح يتلمسها وهو يصيح : “يا بوي … يا بوي …” .

سمعت النساء في الحقول بما جرى في المقهى ولكن بتعديل بسيط فقد وصل الأطفال راكضين وهم يصيحون بأن أبا غالية قد قتل حميداً صاحب الهكتار وأن عبد السميع قد انقلعت عينه وأن غازي صاحب العشرين قد انقرفت رقبته ثم مات وأن فهمي الحلاق قد قطعوا له لسانه وأن القائمة قامت بين الشايب والشبارب حتى أن الشيخ أبو مسعود والشيخ علي الشباربيين أبطحا الشيخ إمام الجامع أرضاً وانهالا عليه ضرباً لا لشيء إلا لأنه من الشايب .

هرعت النساء راكضات من الحقول حاملات الفؤوس والمناجل والعصي وخلفهن الأولاد والأطفال يحملون الحجارة ، وما أن وصلوا إلى ساحة القرية حتى شاهدوا الرجال والفلاحين ، الذين جاءوا يستطلعون الأمر ، يحملون فهمي الحلاق وحميد وعبد السميع صاحب الستة فولولت نساؤهم فتبعتهن النساء الأخريات وصاحت أسوم زوجة حميد وهي تقطع شعرها : “يا حيف عليك يا حميد” فلحقتها ضرتها الشباربية وهي تصفع نفسها :“كل الذنب على الشايب أولاد الكلب” ، فلم تسكت لهل ضرتها أسوم فصفعتها على وجهها فسال الدم من فمها فأقعت بديعة على الأرض تبكي بصوت عال وهي تصيح : “ولي على حظي …” .

وكاد يحدث عراك بين النساء إلا أن الفلاحين أبعدوا النساء الشباربيات وخرج الشيخ أدهم راكضاً من "الغرفة" حاملاً كرسياً من القش وضعه بين النساء ثم اعتلى عليه ورفع ذراعيه طالباً منهن السكوت والاستماع إليه فسمع زوجتي فطمة وهي من الشبارب تقول له : “أخرس أنت أيها الشايبي الخرفان !” . فلعن أباها ثم دعا عليها أن يزهق الله روحها فردت عليه إفتكار زوجة غازي صاحب العشرين التي اطمأنت على زوجها الذي شاهدته واقفاً بباب منزلهم “الشايب خرايب ولو عمرت بلد …” فاقتربت منها فضة الشباربية أرملة حسين صاحب العشرة وصفعتها وبصقت في وجهها وحذرتها من أن تفتح فمها مرة ثانية ، فتم الهدوء كما أراد الشيخ أدهم الذي نظف حنجرته وبصق ثم صاح كما يفعل كل يوم جمعة :

- اسمعوا وعوا ، لم يمت أحد ولله الحمد ، ولكن علينا أن نسأل أنفسنا لماذا حصل ما حصل ؟ لقد جاءت الفتنة إلينا لتفرق شملنا ، وفي ذلك اليوم الذي هجر فيه الرجال "الغرفة" ليجلسوا في ذلك المكان الموبوء الذي اسمه المقهى حيث نسوا ذكر الله ، وحيث يمارس الرجال الزنى بالنظر إلى الفتنة التي فتنتهم ، أقول في ذلك اليوم ألهمني الله أن شيئاً ما سيحدث لنا وأنا أدعوكم لهدم هذا المقهى والتحلي بالصبر فإن الله مع الصابرين ، واعتصموا بحبلِ الله جميعا ولا تفرقوا …

إلا أن النساء والفلاحين والأطفال ، وعوضاً من أن يهجموا على المقهى لهدمه وإزالته ، ركضوا نحو باب "الغرفة" دافعات الشيخ أدهم فسقط عن كرسيه وتمرغ في التراب . حملوا الرجال الثلاثة إلى بيوتهم وفي المساء تردد أن الرجال الثلاثة أحياء ولكن عبد السميع صاحب الستة قد شل تماماً وأن زوجته الأولى التي طلقها تشمت به .

وفي الساعة العاشرة تركت الست كاميليا الدكتور مستلقياً على الكنبة في غرفة المختارية بعد أن أخبرته أنها ستخرج قليلاً إلى الحديقة لأن روحها قد طقت ولأنها لم تعد تطيق أحداً ثم خرجت بعد أن لفت نفسها بعباءتها السوداء ووضعت شالها على رأسها . انتظرت قليلاً في حديقة المنزل قرب شجرة الفستق التي تعبق برائحة زيتية طيبة ثم اجتازت الساحة المعتمة باتجاه بيت غازي صاحب العشرين . وما أن اقتربت من الباب حتى فتح بهدوء وامتدت يد غازي لتتلقفها في الظلام إلى حضنه. وهناك في الدهليز المعتم إلى جانب باب المرحاض تركته يقبلها وبتلمسها ، قال لها إنه يحبها فتأوهت، وقال لها إنه سيفعل المستحيل من أجلها فشدته إليها . وعندما راح يلهث دفعته عنها . قالت له أنه كاذب فأقسم لها بعرضه إنه صادق . عندها راحت تبكي . احتار الرجل ، ماذا يفعل ؟ . سألها ما بها فقالت له أنها إنسانة معذبة وأن نجيب يعذبها وأنها تكرهه وتتمنى موته . مسح غازي الدموع من عينيها بيديه الخشنتين ثم همس في أذنها : “لا تبكي سوت أخلصك منه الليلة” . ألتمعت عينا الست كاميليا فالتصقت به من جديد وقالت له : “لا ليس الليلة” ، ثم تركته يفعل ما يريد على الأرض بجانب المرحاض .

خرجت الست كاميليا من بيت غازي عند منتصف الليل . لم يكن الظلام دامساً فقد انعكس نور أحمر خفيف على واجهات المنازل الغربية . وعندما دلفت إلى حديقة منزل المختار استدارت لتعرف مصدر الضوء ، وفجأة تيبست في مكانها مندهشة . كانت بعض المحاصيل المتكومة في ساحات الدرس تحترق بلهب يصعد إلى السماء .

ما إن ألقت الست كاميليا جسدها المنتشي واللاّمبالي على الفراش حتى بدأت تسمع أصوات الجري والصياح ، كانت هناك أصوات ذعر وجنون وصرخات رجال وعويل نساء . وآخر صوت سمعته قبل أن تغفو هو طرقات متلاحقة على باب منزل الشيخ مسعود . صرخ الطارق بكل ما أوتي من قوة :

- يا أبو مسعود … يا أبو مسعود … انهض ، محصولك يحترق يا أبو مسعود …!

خرج أبو مسعود باللباس الداخلي الطويل وخرجت زوجاته الأربعة ، ركضوا باتجاه الجسر الخشبي كانت زوجته الأولى أم مسعود المصابة بالقلب تحجل ببطء خلف زوجها وزوجاته الأخريات. كانت تصفع فخذيها تارة وتقطع شعرها تارة أخرى ، وما أن وصلت إلى طرف الجسر حتى شاهدت جبلاً من اللهب يضيء أرض زوجها . كان أبو مسعود يدور حول الجبل الملتهب وهو يصفع وجهه ويبكي وكان يطأ على السنابل المشتعلة حافي القدمين دون أن تلسعه . وكان هناك حشد من الناس كل واحد منهم يصرخ ويقول شيئاً . وكانت النساء تبكي بعويل طويل ، ونساء أبو مسعود واقفات ببلاهة . وكان غازي صاحب العشرين يحاول إطفاء محصوله المحترق دون أن يستطيع الاقتراب منه .

استندت أم مسعود إلى إفريز الجسر الخشبي . كان قلبها ينتفض كالأرنب وتشعر بقواها تفلت منها . جالت بنظرها في الحقول الأخرى . كانت أيضاً أرض حميد صاحب الهكتار ومحسن صاحب الخمسة تحترقان ، وفجأة أحست أنها فهمت شيئا محدداً . كل الأراضي المحترقة تعود إلى الشباربيين . أحست بغصة في حلقها وبدأت ترتعش ، تمسكت بالإفريز بقوة وصاحت : “فعلوها الشايبيين أولاد الكلب …” لم تستطع أن تنهي صيحتها ، فقد توقف قلبها وسقطت في "نهر الذهب" ميتة . لم يسمع أحد صيحة أم مسعود ولم يرها أحد تسقط في النهر . وبينما كان النهر يسحب جثتها نحو الجنوب كانت أصوات الرجال والنساء والفلاحين تختلط ببعضها بصخب عظيم . كانت النيران تضيء الوجوه المتوترة والصارخة والقبضات والعصي . صرخوا : “هذه فعلة الشايب” “الموت لهم …” “تعالوا نثأر !” “أولاد الكلب …” “لا تظلمونا … نحن أبرياء” “ماذا يفعل غازي … سوف يقتل نفسه” “أين هي أم مسعود ؟” “اللهم أجرنا من الأعظم …” “أحرقوا محاصيل الشايب” “العين بالعين والسن بالسن” “ألا يوجد عاقل واحد هنا ؟ …” “اصبروا يا جماعة حتى الصباح لنعرف الفاعل !” “انظروا لقد جن أبو مسعود ؟” .

كان أبو مسعود قد خلع قميصه الداخلي وغرف بالشوكة شيئاً من السنابل المتوهجة وسار بها نحو أرض جاره عبد السميع وما أن وصل إلى حزم السنابل المتكومة التي تنتظر نقلها لدرسها حتى فهم الناس الغاضبون والخائفون أنه يريد أن يثأر لمحصوله فيحرق محصول عبد السميع صاحب الستة المستلقي مشلولاً في فراشه . تصايح الناس بين مؤيد ومعارض . وضع أبو مسعود الجمرات على حزمة ثم راح ينفخ فيها كي تشتعل ، ولم يمر وقت طويل حتى اشتعلت وفجأة سمع صوت طلقة بندقية وتبعتها أخرى ، وبدأ الناس يتراكضون ، منهم من راح يحمل الجمرات ويركض باتجاه حقل ما لينتقم ومنهم من حاول منع ذلك ، ومنهم من ركض باتجاه القرية ليعود بسكين أو بندقية أو عصا غليظة . كانت طلقات البندقية تدوي من آن لآخر ، فقد أردت أبا مسعود بعد أن أشعل محصول عبد السميع حتى أن إحدى زوجاته شاهدته يحترق . صرخت المرأة بذعر ولكن من يسمعها ، فالجمِيع كانوا قد جنّوا . كانوا يحرقون المحاصيل والبيوت ويقتلون بعضهم بعضاً . الشايب والشبارب يتقاتلون ، يتذابحون في الحقول وفي ساحة القرية التي أضاءتها النيران المتصاعدة من البيوت المحترقة . آه يا أخوان … ماذا أقول لكم أيضاً ؟ لقد اكتشفت الناس أن كل واحد فيهم إما شايبي وإما شباربي ، وأن كل واحد فيهم أما أن يقتل أو أن يُقتل .

*****