Print

رواية الكوميديا الفلاحية القسم الأول - Page 6

 

ما إن ينتهي المصلون من صلاة العشاء حتى يخرجوا من الجامع فرادى . ففي أحسن الأحوال لا يعدون العشرة . يهرعون إلى بيوتهم وهم يستعيذون باللهّ من الشيطان الرجيم ومن أبي غالية ومن مقهاه ومن الست كاميليا ومن كفر هذه الأيام . في ذلك الوقت تكون الست كاميليا واقفة على نافذتها تبتسم والرجال في المقهى يطلقون التنهيدات .

بعد وقت قصير تسدل الست كاميليا الستارة وتغيب فتسمع من المقهى أصوات التأوهات وصيحات الاستنكار . ولكن في هذا اليوم بالذات وبعد أن أسدلت الست كاميليا الستارة على النافذة ، تجمع الرجال حولي وراحوا يسألونني مرة أخرى عما حدث هذا الصباح حين استدعتني . قلت لهم لا تعذبوا أنفسكم فلن أبوح بشيء ! فطلبوا لي قدحاً من الشاي الثقيل على حسابهم وقدم لي حميد صاحب الهكتار رغيفاً مدهوناً بالزيت والزعتر وحلفوني بالله أن أتكلم فتكلمت . قلت لهم أنها إنسانة رائعة وأن كل شيء فيها جميل ولكنها معذبة ، فزوجها وهو الأخ الدكتور يضربها كل يوم بعد العشاء ، وبمنع عنها المصروف ولا يشتري لها أي قطعة ثياب ، ويمنعها من زيارة أهلها في المدينة ، قلت لهم باختصار أنها بكت على كتفي هذا وأقسمت لي أنها ستقتل نفسها يوماً ما.

قال فهمي الحلاق وهو يشرع في البكاء :

- سأموت إذا فعلت بنفسها أي مكروه .

وقال ملزوم :

- لا إله إلا الله .

وقال جاسم صاحب المائة رأس :

- سأقتل هذا الكلب .

ثم قالوا :

- إنه لا يستحقها .

- لماذا لا تهرب ؟

- سأدفع حياتي ثمناً لسعادتها .

- لن تتخلص من سعيد لتعلق بسعدون .

- إذا كنت سعدوناً فأنت بغل مخصي .

- طولوا بالكم يا شباب نحن لا ينقصنا …

أطفأ أبو غالية وملزوم مصابيح اللوكس ثم قالا :

- هيا إلى بيوتكم ، لعنة الله عليكم جميعا ! …

خرجنا من المقهى وتفرقنا كل إلى منزله . كان كل واحد فينا يفكر أنه قد حانت أخيراً فرصته. ها هو الأمل قد أطل على كل واحد فينا ، ففي الماضي حسبنا أنها ليست سوى للفرجة ، أما الآن فقد عرفنا أنها تعيسة وأنها تكره زوجها وأنها يمكن أن تقتل نفسها إن لم ينقذها أحد ، أقصد إن لم أنقذها أنا بنفسي . عليّ أن أعرض عليها الهرب من القرية . سنرحل إلى المدينة . ساجد عملاً مهما كان لنعيش معاً . آه … كم ستكون أيامنا سعيدة ! ! سأقوم بإسعادها ، لن أتركها تبكي أبداً عليها أن تضحك دائماً ، أما الدكتور نجيب فإنشاء الله سيموت من القهر عندمايعلم مدى سعادتها معي .

هكذا كنت أفكر عندما صعدت إلى السطح واستلقيت في فراش أم البنات ، فقد كان دورها هذا اليوم . استيقظت المرأة وانتظرت أن أفعل شيئاً . وجدت نفسي بلا مزاج ، فظللت أفكر وأضرب وأطرح فشخرت أم البنات ، فحمدت الله على ذلك لأن علي أن أوفر قوتي لمساء الغد .

عندما غفوت . لم تكن الست كاميليا والدكتور قد استلقيا بعد . فالدكتور نجيب الذي خشنت لحيته بسبب إضرابه عن حلاقتها لثلاثة أيام متوالية والذي أضناه البكاء فأصبح أقبح مما كان عليه بشعره المنفوش والأجعد والخشن ، كان في تلك اللحظة ساجداً على الأرض أمام الأريكة التي استلقت عليها الست كاميليا وهو يبكي ويتوسل إليها ألاّ ترحل . كانت كاميليا تنظر في مرآة صغيرة وتنتف حاجبيها بملقاط معدني صغير . لم تكن تأبه لنجيب ، فقد أصبح بالنسبة إليها مثل الكلب . كيف يمكن أن يغشها بهذا الشكل ؟ لقد كتب لها ورقة ووضع عليها ختمه وختم الحكومة ووقع توقيعاً طويلاً وأعطاها لها لتنقعها وتشرب ماءها . إنها ليست غبية إلى هذا الحد ، ولا يمكن لفلاح أن يخدعها .

سألها نجيب وهو يذرف الدموع :

- ماذا تريدين أكثر من ذلك ؟ أنا أحبك ولا أستطيع العيش بدونك سأفعل كل ما تطلبين ، ولكن بشرط ألاّ تهجريني .

نتفت الست كاميليا شعرة من حاجبها الأيسر ثم قالت له :

- أنظر … إذا كنت تريدني حقاً ، فأنا أطلب ضمانة لمستقبلي .

فسألها كيف يمكن أن يضمن لها مستقبلها هذا فقالت :

- اكتب باسمي الخمسين هكتاراً التي ورثتها عن أبيك والواقعة جانب أرض عبد المهيمن صاحب العشرة وخلفه .

وافق نجيب على ذلك فوراً إلا أنه قال :

- في هذه الحالة سأكتب كتابي عليك شرعاً .

هزت الست كاميليا رأسها وعادت إلى نتف حواجبها بينما نهض الدكتور نجيب إلى الطاولة . كتب وثيقة تقديم الخمسين هكتاراً كمقدّم صداق لزواجهما ثم ختمها ووقعها وقدمها للست . أبعدت كاميليا المرآة ثم قرأت الوثيقة ، وما أن انتهت من قراءتها حتى قذفتها في وجهه .

قالت له هذه المرة :

- انقعها واشرب ميّتها .

جلس نجيب على الأرض بجانب الأريكة وعاد إلى البكاء . سألها من بين دموعه :

- ماذا تريدين أكثر من ذلك ؟.

فقالت له وهي تنظر في عينيه المبللتين :

- تحتاج هذه الورقة الحقيرة إلى توثيق عند الكاتب بالعدل ، عندها تصبح وثيقة وعندها سأملك خمسين هكتاراً ، وعندها سأكون زوجتك .

لمعت الفكرة في رأس الدكتور نجيب فوافق فوراً على عمل ذلك . قذفت الست كاميليا مرآتها وملقاطها ثم نهضت . كانت تبتسم له ، وكانت عيناها تطفحان بالحب والحنان . مسحت له دموعه عن عينيه ثم قبلتهما ،وبهدوء شديد جعلته يستلقي على الأرض فخلعت له ثيابه ثم خلعت ثيابها ثم فعلت له الحب .

في اليومٍ التالي ، علم جميع أهل القرية ، ملاّكاً وفلاحين ، رجالاً ونساء ، أطفالاً وشيوخاً وأنصاف شيوخ ، أن الدكتور نجيب رجل متوحش لأنه يضرب زوجته الجميلة والشقراء بعد العشاء ويتركها تنام بمفردها وهي تبكي حتى الصباح .

قالت بديعة زوجة حميد صاحب الهكتار لضرّتها أسوم وهي تمسك المنجل بيد وتمسح عرقها باليد الأخرى :

كيف يمكن أن يضربها ؟ إنه وحش …

فقالت أسوم :

- إنه شرير، انظري في عينيه فتعرفي ذلك .

فقالت بديعة :

- يا للمسكينة … لم أكن أعلم أن نساء المدن يُضربن أيضاً .

فقالت أسوم :

- أليس نجيب ابن قريتنا ؟ …

فأجابتها بديعة :

- حميد يضربني كل يوم ولكن الست كاميليا مسكينة .

فقالت أسوم :

- أشعر أنني سأبكي قهراً عليها .

وما أن أذّن الشيخ أدهم لصلاة الظهر حتى تجمعت النساء تحت شجرة الجوز الهرمة ورحن يلتهمن ما تزودن به من أجل الغداء . أما الفلاحون فقد افترشوا الأرض تحت سماء شهر تموز إلى جانب أكوام سنابل القمح المحصودة وراحوا يعلكون خبز الصاج وحبات البندورة الحمراء وقرون الفليفلة الخضراء . الشيء الوحيد الذي تحدثت عنه النساء وتحدث عنه الفلاحون هو قضية الست كاميليا . وبينما هم كذلك وإذ بأبي مسعود والشيخ علي والشيخ أدهم إمام الجامع يجتازون النهر على الجسر الخشبي المقام على المضيق بجانب أرض الشيخ مسعود . اقترب الشيوخ الثلاثة من شجرة الجوز فحيتهن النساء .

سألت قدرية زوجة محسن صاحب الخمسة :

- قولوا لنا يا شيوخ ، ما هي قصة الست كاميليا ؟ .

فأيدتها النساء وقلن .

- أي نعم قولوا لنا .

فقال الشيخ أدهم يوجه الحديث إليهن جميعاً :

- ماذا سنحكي أيتها البغلات ، هل تعرفن ماذا يفعل أزواجكن ؟ إنهم جالسون دائماً في مقهى أبو زفت يراقبون الست كاميليا . اسألوهم ، فهم يعرفون أكثر منا.

فقالت امرأتي زليخة أم البنات :

- كانوا في الماضي يجلسون في "الغرفة" ، أما الآن فقد تغير الحال وأصبح للقرية مقهى .

فقال أبو مسعود :

- ضبّوا رجالكن ، إنهم يزنون بأعينهم .

فقالت امرأة رشدي الهارب ، أن الست كاميليا مليحة وطيبة القلب ، أما رجالنا فإنهم أولاد حرام . فردت عليها أمّونة زوجة عبد المهيمن صاحب العشرة بأن الست كاميليا جميلة وقد أطارت عقول الرجال وأن غازي صاحب العشرين يرسل إليها القبلات في الهواء ، فضربت إفتكار زوجة غازي صاحب العشرين ، والتي لم تبلغ الخامسة عشرة بعد ، ضربت صدرها بيدها وقالت أنها تعرف غازي فهو كالكلب لسانه متدل دائماً ويسيل لعابه . ضحكت النساء ، فصرخ الشيخ علي :

- اضحكوا، لقد جاءت الست كاميليا نحس علينا .

فصرخ الشيخ أدهم :

- اللهم أجرنا من الأعظم ! .

جاء الفلاحون الأجراء وانضموا إلى النساء والشيوخ . اختلط الحابل بالنابل . أصبح كل واحد يقول ما يخطر بباله :

- لا تقولوا أن السبب هو الست كاميليا ، فزوجها يضربها كل يوم بعد العشاء.

- لا يبدو عليها ذلك ، فهي جميلة دائماً .

- لقد سحرت رجالنا .

- ولماذا لم تسحر الشيخ أدهم مثلاً ؟ .

– وهل الشيخ أدهم …

– اخرسي وإلاّ قطعت لسانك .

– إنها تقف باستمرار على نافذتها .

– يقولون أنها تغوي الرجال .

– غازي يرسل لها القبلات .

– يقولون أنها جاءت إلى المقهى وأخذت أبو حمود إلى الغابة .

– أبو حمود عينه على الرابعة .

– اللهم أجرنا من الأعظم …

انسل الرجال الثلاثة من الجمع وهرعوا مسرعين نحو الجسر . كنا جالسين في المقهى ننظر إلى الست كاميليا عندما شاهدناهم يدخلون إلى "الغرفة" الخالية من الرجال . أذّن الشيخ أدهم لصلاة العشاء ، فتركت الست كاميليا نافذتها وأسدلت الستارة . لقد حان موعد لقائي بها في غابة أشجار الطرفاء . كان قلبي يدق بعنف ويداي ترتجفان . أكملت شرب قهوتي وتدخين سيجارتي . كان فهمي الحلاق يغني أغنيته عن الست كاميليا بينما راح الباقون يتجادلون بعنف حول مستقبل الست ، فكل واحد يقول أنه هو من يجب أن يأخذها ويعقد عليها إذا ما طلقها الدكتور نجيب . ضحكت في عبي وأنا أنهض ، فأنا الوحيد الذي واعدته واختارته ، فالست كاميليا ستكون لي وحدي ، فأنا عندي ثلاث نساء فقط ويحق لي واحدة أخرى .

قلت لهم أنا ذاهب إلى البيت لأنني مصاب بالإسهال ثم خرجت . لم يسمعني أحد لأنهم كانوا يتصايحون . وعندما كنت أبتعد عن الساحة وأغوص في الظلام ، كان غازي صاحب العشرين يقول لجاسم صاحب المائة رأس أنه كلب نجس فرد عليه هذا بأنه ملعوب بمؤخرته .

انتظرت نصف ساعة كاملة على حافة الغابة من جهة النهر ، دخنت خلالها سيجارتين . كنت متوتر الأعصاب أحلم بما يمكن أن يحصل بيني وبينها . وما هي إلا لحظات حتى سمعت خشخشة أوراق الشجر والسنابل المتيبسة فنهضت استعداداً للقائها . كانت قد لفت نفسها بعباءة سوداء وأخفت رأسها بمنديل حريري . أمسكت يدها وجذبتها إلى داخل الغابة وعندما أصبحنا في أمان وقفت أتأمل وجهها الجميل الذي ينير نفسه في الظلمات . كنت سأمد يدي إلا أنني كنت خائفاً ولا أجد كلمة واحدة لأقولها ، فاقتربت مني والتصقت بي وراحت تتحسس رقبتي ووجهي بيديها . قبلتني على خدي فعصرتها بيدي فتأوهت فقلت لها أنني أحبها فقبلتني مرة أخرى عندها رحت أقبلها بجنون . وأنا كذلك دفعتني عنها وقالت أجلس يا أبو حمود . جلسنا متلاصقين . حاولت أن آخذها مرة أخرى بيديّ وأقبلها إلا أنها وضعت أصابعها على فمي وهمست لي أنها تحبني أيضاً وأنها لا تستطيع أن تتأخر كل عن البيت خوفاً من أن يشعر الدكتور نجيب بغيابها ولكن لا بأس فالأيام طويلة وسنلتقي مرة أخرى وأنها تريد أن تطلب مني طلباً محدداً ، فقلت لها أنني على استعداد لأن أفعل أي شيء وإذا طلبت مني أن أقتل الدكتور نجيب لأنه يعذبها فأنا على استعداد ، وحينها سنتمكن من الهرب معاً . فقالت لي إن ذلك ليس وقته وإنها تريدني أن أذهب إلى البلدة وأحضر الكاتب بالعدل الخاص بالناحية وذلك لأمر ستحدثني عنه فيما بعد ، فقلت حاضر ، غداً بعد صلاة الفجر سأذهب إلى البلدة .

شعرت أنها أصبحت سعيدة فاحتضنتني وقبلنا بعضنا بعضاً ثم نهضت وقالت بخاطرك ثم ركضت عائدة إلى القرية من جهة بيوت الفلاحين الطينية. أذّن الشيخ أدهم لصلاة الفجر فنهضت من فراش سعدية الصبية المفروش على السطح أيضاً ثم اغتسلت لأسقط جنابتي وصليت الفرض وانطلقت على البغل نحو طريق السيارات وحمود ابني يلحق بي ركضاً وهو ما يزال نائماً . أخذت الباص وتركت البغل لإبني حمود وتوكّلنا على اللّه وبعد ساعتين كنت في البلدة .

كنت فرحاً ، أي بالله كنت فرحاً لأنني أعشق الست كاميليا وهي تحبني وتثق بي وترسلني لأخدمها . ذهبت إلى المخفر فقالوا لي إنني يجب أن أنتظر ثلاث ساعات فالكاتب بالعدل لا يستقبل الناس إلا في العاشرة فذهبت ونمت في المسجد حتى حان الموعد فعدت إلى المخفر فأدخلوني عليه وقلت له إن مختار قرية الذهب يسلم عليه ويقول له أن يتفضل إلى القرية لأمر هام فسأل عن السبب فقلت له أنني لا أعلم فقال : “انتظر في الخارج” ريثما ينهي أعماله لأنه مشغول جداً ، فخرجت وجلست في الظل . خرج الكاتب بالعدل في الظهيرة وقال إنه مشغول جداً ونصحني أن أبقى إلى الغد لنذهب إلى القرية معاً ، وهكذا فذهبت إلى السوق كان في جيبي مائة وخمسون ليرة فاشتريت للست كاميليا قرطين من الذهب هدية مني وعربوناً لمحبتي لها وفي اليوم التالي ركبنا معاً في الباص إلى "قرية الذهب" .

*****