Print

رواية الكوميديا الفلاحية القسم الأول - Page 5

 

تراجعت الست كاميليا عن نافذتها وهي تشعر بالحر . كان الوقت ظهراً والحرارة شديدة ورغم ذلك فالمقهى ملآن بالزبائن الذين جاءوا لشرب الشاي والنظر إليها . كانت سعيدة في داخلها فابتسمت ، فقد كنت قد رفعت لها كأسي ووضع جاسم يده على قلبه بحركة مفهومة . وطيّر لها غازي صاحب العشرين قبلة في الهواء . وتنهد فلاحان وراحا يمسحان العرق عن وجهيهما ، أما فهمي الحلاق فقد غنى لها مقطعاً من أغنية أسمهان : “إمتى ح تعرف إمتى ، إني بحبك إمتى …”. خرجت الست كاميليا من غرفتها إلى الحوش ثم اتجهت نحو غرفة استقبال المختار ، التي يحتلها الدكتور نجيب وجعلها غرفته الدائمة ما دام مستيقظاً ، إذ أنه لا يستطيع أن ينام في سرير لا تشاركه فيه كاميليا . قابلت الست جليلة واقفة في الحوش ، فلم تكلمها ، فهما لا تكلم إحداهما الأخرى منذ أن شاهدت الست جليلة ابنها الدكتور ساجداً أمام كاميليا وهو يبكي ويتوسل إليها من أجل أمر لا تعرف ما هو . دخلت الست كاميليا ثم أغلقت الباب وراءها . كانت الغرفة تسبح في غيمة من دخان الغليون ، وكان الدكتور مستلق في أريكة خشبية يدخن ويشرب الخمر . اقتربت منه ، وكان أشعث الشعر أحمر العينين ، فشعرت أنها تكرهه كثيراً وأنه قبيح جداً . نظر الدكتور إليها فوجدها جميلة جداً بل رائعة فشعر برغبة في احتضانها ومضاجعتها إلا أنها ابتعدت قليلاً عنه وقالت :

- لقد سئمت هذه الحياة .

اصفر وجه الدكتور فقال وهو يكره نفسه على الابتسام أنه لم يمر على وجودها هنا سوى شهر واحد وأنها سرعان ما ستعتاد على حياتها الجديدة وأنه سيشتري لها من المدينة كل ما تطلبه من أجل أن تسلي نفسها به ، إلا أنها قالت بحدة :

- اتركني أذهب ، فأنا أكرهك وأكره هذه القرية القميئة .

فاصفر وجه الدكتور أكثر فأكثر فنهض واقترب منها وهو يقسم لها أنه يحبها وإذا رحلت فإنه سيقتل نفسه . وحاول أن يحتضنها إلا أنها دفعته بقسوة وهي تشتمه بالفرنسية ، فعاد إلى أريكته وجمع وجهه في يديه وراح يبكي بصوت يقطع القلب .

بعد قليل جلست كاميليا إلى جانبه ، وراحت ، بحذر شديد ، تمسح على شعره الخشن بحنو فأسقط رأسه في حضنها وهو يبكي فقالت له :

- أنت شاب لطيف ، وأنا أحبك أيضاً ، ولكنك تكذب علي . لقد قلت لي إن الحياة في قريتكم مسلية وأنك سترث مائة وعشرة هكتارات وخمسمائة رأس غنم . أنت لم ترث شيئاً ، وأنا أريدك أن ترث يا صغيري الكذاب ، لأنني أريد أن أؤمن مستقبلي ، فأنا لم آت معك لتصير مختاراً بل لتصبح مالكاً ، وأنا لا يهمني أن يقولوا لك أنك الوارث الوحيد لأبيك بل لأرى اسمك على الورق ، حينها سأتزوجك وإلا فسأرحل …

فقال لها وهو يبكي وبمسح عينيه وأنفه بثوبها ، بأنه المختار وأنه يستطيع أن يكتب أي وثيقة ، وستكون قانونية مائة بالمائة إن مهرها بختم المختارية وختم الحكومة ، ثم سألها إن كان توثيق ملكيته من بعد أبيه سيرضيها ويطمئنها . فقالت له وهو كذلك ، فقام من فوره وكتب وثيقة ملكيته لجميع أملاك أبيه المرحوم الشيخ معتوق ثم وضع الأختام وتوقيعه الخاص فاحتضنته الست كاميليا وقبلته ثم سحبته إلى الأريكة.

وفي صبيحة اليوم التالي وبينما كان الدكتور نجيب يشرب قهوته نهضت الست كاميليا واقتربت منه ثم صفعته وبصقت في وجهه ونعته بأنه أكبر مخادع عرفته في حياتها ثم خرجت غاضبة من المنزل، لتقوم بدورة أو دورتين في الساحة . دارت الست كاميليا ودارت رقاب الرجال الجالسين في المقهى يلاحقونها بعيونهم . كنت آنذاك في مكاني في "مقهى الذهب" وكنت أفعل ما يفعله الرجال، فسمعت همهماتهم ! "إنها ملاك" ، "الله يأخذني كم هي جميلة" ، "ليلة واحدة ثم يشنقوني" ، "الدكتور محظوظ" ، "يا ترى كيف هي في الفراش ؟" ، "مثل زوجتك يا محسن صاحب الخمسة…"

كادت تحدث مشاجرة بين محسن وعبد السميع صاحب الستة ، ولكن الست كاميليا استدارت إلينا قبل أن تعود إلى منزل المختار . تلاقت أعيننا فابتسمت لي ، وأنا أنهض واقفاً . حركت شفتيها كأنها تقول لي شيئاً ثم غابت في ظلام المدخل . عدت إلى الجلوس كالمسطول بينما راح الآخرون يكيلون لي الخبطات على كوفيتي وظهري إذ كنت في ذلك اليوم أكثرهم حظاً فأسقيتهم دوراً جديداً من الشاي على حسابي .

وفي صباح اليوم التالي شاهدنا الست كاميليا تخرج من منزل المختار ، ولكنها لم تقم كعادتها بالدوران في الساحة حول المقهى بل سارت الهوينى بمحاذاة سياج المقهى ، ثم استدارت ونظرت بعينيها الزرقاوين إلى الداخل وراحت تبحث عن شخص ما . وما إن شاهدتني حتى رفعت إصبعها وحركته تطلب أن أخرج إليها . نهضت كالملسوع وسط تعليقات الرجال وآخر شيء سمعته هو دعاء"ملزوم" بأن يوفقني الله .

سرنا بين البيوت صامتين باتجاه النهر . وقفت الست كاميليا على ضفة النهر تتأمل ماءه الغزير.

كانت الحقول قد اصفرت وكان الفلاحون ونساؤنا يقومون بحصاد محصول الحنطة والشعير . وكان النهر يهدر متجهاً إلى جنوب القرية حيث غابة أشجار الطرفاء وبيوت الفلاحين الطينية . وكنت أقف إلى جانبها مسحوراً بجمالها ، شاعراً بسعادة عظيمة بسبب مرافقتي لها . وكان قلبي يخفق بشدة وكنت خائفاً من الإقدام على شيء خططت له في الليالي الطوال حين كان يمتنع علي النوم حينما استدارت ونظرت إلي بعينيها الجارحتين .

سألتني برقة عن أرض الشيخ معتوق بين أرض أبو مسعود وأرض عبد المهيمن فأشرت إلى الجنوب . سرنا باتجاهها على الضفة نفسها حتى أصبحنا أمامها . وقفت تعاين الخمسة والعشرين هكتاراً المحاذية للنهر على الضفة الأخرى . ثم سألتني عن الخمسة والعشرين هكتاراً الأخرى والتي يملكها أيضاً المرحوم ، فأشرت لها إلى الأرض البعيدة عن النهر والواقعة خلف الأرض الأولى وأرض عبد المهيمن . سألتني عن عدد الهكتارات في الأرضين فقلت لها خمسون هكتاراً . ابتسمت الست كاميليا كأنها اطمأنت على شيء كان يقلقها . جلست ودعتني للجلوس إلى جانبها . رحنا نتحدث. سألتني عن أحوالي وعن بيتي وعن نسائي وأولادي . ثم سألتني عن أرضي فأشرت لها إلى الشمال خلف أرض الشيخ علي . ثم قلت لها إني أملك هكتارين فضحكت . نظرت حولنا فلم أجد أحدا يراقبنا فسألتها عن حالها وهل هي سعيدة في قريتنا فقالت أنها تشعر بالملل . تشجعت وقلت إنها جميلة ومحبوبة من قبل كل أهل القرية . أدارت إلي وجهها الجميل وقالت إنني رجل لطيف . خفق قلبي مرة أخرى ورحت أتعرق . قلت في نفسي يا ولد أكسر الجرة وقل لها مراد قلبك . أمسكت يدها فلم تمانع . بل نظرت إلي وهي تبتسم ، ولكنني نسيت كيف أقول لها ذلك ، لعنة الله علي ، فقلت لها أنها تبدو حزينة . هزت رأسها وقالت أنها مظلومة مع نجيب . غضبت جداً . كيف يمكن لذاك الحيوان أن يظلم هذا الملاك ؟!. من الذهاب إلى المدينة لزيارة والديها ، ولا يريد أن تلد ولداً وفوق ذلك يضربها . ثارت ثائرتي . كنت ما أزال أمسك يدها وأخاف أن تفلت من يدي . كنت أقول أن الدكتور نجيب نذل حينما شعرت أنها تبكي وتشرق أنفها . رفعت يدها وقبلتها . استدارت وقالت والدموع ننهمر من عينيها إنني رجل لطيف جداً . فقلت لها وأنا أقسم بالله أنني على استعداد لفعل أي شيء من أجلها . فقالت إنها تشعر أنني صادق وأنني أعجبها وأنها ستأتي غداً بعد العشاء إلى غابة أشجار الطرفاء وأن علي أن أوافيها إلى هناك سراً .

*****