Print

رواية الكوميديا الفلاحية القسم الأول - Page 4

 

كان يا ما كان . كان الدكتور نجيب عندما جاء إلى القرية في صيف إحدى السنوات ، نحيلاً، مصفر الوجه صموتاً ، لا يتكلم إلا عند الضرورة ، أو عندما يسأل عن دراسته وعن المدينة . احتفل به أبوه كثيراً فقد أخبره أنه نجح إلى السنة الخامسة وأن سنتين فقط باقيتان على دكتوراته ، فذبح أبوه سبعة رؤوس من الأغنام فطبخوها ثم قدموها على صواني معرّمة بالبرغل فقعدنا نحن أصحاب الهكتارات نأكل من المناسف في "الغرفة" أما الفلاحون فقد تركوهم يأكلون في ساحة القرية ونساؤهم يزغردن للدكتور ابن الشيخ معتوق مختار القرية.

لم يقعد نجيب في القرية سوى أسبوعين اثنين . كنا نراه يمشي على ضفتي "نهر الذهب" متوتر الأعصاب أصفر الوجه ، سريع الغضب ، فقلنا أن الدكتوراتية بدأت توجع رأسه وتنهك أعصابه فدعونا له بسريع الخلاص والعودة إلى القرية ، ولم نعد نسأله أسئلتنا البائخة وحظرنا على نسائنا سؤاله عن إسهالات الأولاد ورمد العيون والدورات الشهرية .

عاد نجيب إلى المدينة بعد أن استأذن الشيخ والده بأن عليه أن يعود سريعاً ليدرس العظام والجماجم وقال له أشياء عديدة مثل (مبايض النساء) و(الأمعاء الغليظة) و(البنكرياس ) ، ففرحنا كثيراً لأنه أصبح لقريتنا دكتوراً كبيراً يعرف أشياء كثيرة .

ما إن وصل نجيب إلى شقته في تلك العمارة حتى اكتشف أن الست كاميليا غير موجودة ، وأنها قد رحلت نهائياً ، فقد كانت هناك رسالة منها بخمس كلمات : “لا تبحث عني فأنا أكرهك”، قعد يبكي بائساً فقد طردوه من الجامعة وأضاع مستقبله ، وهو يكذب على أبيه ويأخذ منه نقوداً كثيرة ، ليقدمها إليها ويشتري لها الهدايا والألبسة والروائح التي تباع في قناني . وفي اليوم التالي رأى أنه لا يستطيع العيش دونها فخرج يبحث عنها عند أصدقائه ومعارفه ، فقال له أحدهم إنه وجدها صدفة راكبة سيارة أحد وجهاء البلد واسمه "منيف آغا" فأمضى أسبوعا كاملاً يبحث عن عنوان ذلك الوجيه حتى وجده . طرق الباب ففتح له رجل يزرر بنطاله . نظر الرجل إلى ذلك الفلاح الذي يلبس طقماً وقميصاً وسباطاً أصفر وسأله ماذا تريد ؟ فقال له وهو خائر القوى إنه يريد أن يتحدث إلى كاميليا . تردد الرجل فيما يفعل ، فهو لا يعرف أي شيء عن علاقة كاميليا بهذا الفلاح . جاءت كاميليا . استندت إلى درفة الباب وهي تنظر إلى سحنة نجيب التي تظهر مدى التعب والسهر اللذين عاناهما . كان شعره أهوج وذقنه طويلة وعيناه حمراوين . رق قلبها عليه فأدخلته إلى غرفة الضيوف . جعلا يبكيان لدقائق دون أن ينبسا بكلمة . قال لها بعدئذ ، إنه يحبها ويغفر لها كل خطاياها وإن عليها أن تأتي معه وأنه سيتزوجها غداً ، وأنه سيرث يوماً ما ، عن أبيه ، مائة وعشرة هكتارات وخمسمائة رأس غنم وبيتأ ومالاً ووجاهة فأشارت له أن ينتظر لحظة ، فخرجت من الغرفة. كان الوجيه يستمع إلى الحديث من خلف الباب . دفعته عنها ، وبعد قليل عادت وقد ارتدت ثيابها ، تحمل حقيبة سفر ثقيلة ، فأخذها منها ثم فتحا الباب وخرجا من بيت الوجيه "منيف آغا" الذي عقدت المفاجأة لسانه فلم يفتح فمه .

*****

بعد سبعة أيام ، ترك نجيب أمه القاعدة في العدة تلازم غرفتها بصحبة الست كاميليا وخرج من البيت قاصداً "الغرفة". هناك أسمعناه رغبتنا في أن يرث المختارية عن أبيه المتوفى فوافق على الفور ، فنهضنا نهلل له ونهنئه بالعناق والقبلات . ثم حمله عبد المهيمن صاحب العشرة وخرج به إلى الساحة فلحقنا بهما نصفق وننشد الأناشيد للدكتور فرحين بعودته هو والست كاميليا وبموافقته أن يصبح المختار الجديد . طفنا به حول الساحة عدة مرات ونحن نهزج له بأغنية ألفها على الفور فهمي الحلاق شاعر القرية دون منازع :

الدكتور نجيب دايماً بيجيب

الخير علينا هو بايدينا

ما بيصير يغيب كمان علينا

الدكتور نجيب الدكتور نجيب

كان الدكتور سعيداً بما نفعل ، يضحك ويلوح لنا بيديه ، وفي الدورة الأخيرة شاهدنا الست كاميليا واقفة على سطح البيت ، بجمالها الخارق تنظر ضاحكة إلى ما يحدث فتوقفنا أمام بيت الشيخ معتوق فأنزل عبد المهيمن صاحب العشرة الدكتور ثم رحنا نلوح بأيدينا ونصفق ونغني لها جميعاً مقتدين بفهمي الحلاق :

شفتها واقفة على السطوح شعرها الأشقر عم بيلوح

والله لاخطفها واروح إن عشت وربي خلاني

ثم عملنا حلقة كبيرة ورحنا نرقص وندبك ، ورقصت أنا بالذات وفي الحقيقة يا أخواني كنت أرقص لها وعندما أقفز كنت أفعل ذلك رغبة مني بالوصول إليها ، وما أن تعبت ورحت ألهث وأسعل حتى تناوب على الرقص كل من محسن صاحب الخمسة وعبد المسيح صاحب الستة وحميد صاحب الهكتار وجاسم صاحب المائة رأس وغازي صاحب العشرين ، وقد كان غازي أكثرنا جمالاً وشباباً ، وقد لاحظت أنهم جميعاً يرقصون وعيونهم تنظر إلى الست كاميليا ، يبتسمون لها ويعرضون أمام عينيها فحولتهم ، فشعرت بالغيرة ولكن لبرهة قصيرة ، فقد سمعنا صوت الشيخ أدهم يرتفع بالأذان لصلاة الظهر ، فتفرقنا ونحن نلوح للست كاميليا وهي تلوح لنا بيديها الناعمتين البيضاوين، أما غازي صاحب العشرين فقد أرسل لها خفية قبلة في الهواء .

أما بعد ذلك فقد أصبح الدكتور نجيب يُرى بشكل أقل ، فقد أنقطع عن الناس ، لا يستقبل سوى الفلاحين والرعاة الذين كانوا يعملون عند أبيه . أما السهر في "الغرفة" والخروج إلى الأراضي الواقعة خلف النهر لتفقد محاصيله وقطعان أغنامه السارحة في سهول الرعي الشمالية ، فلم يكن يفعل ذلك إلاّ لماماً. كان يجلس في غرفته طوال النهار وجزءاً من الليل . ويخرج إلى حديقة بيتهم قبل أن ينام . كان يقرأ في كتب متنوعة أو يجلس ساهماً في ملكوت الله ، أو يشرب القهوة الحلوة مرات عديدة أو يشرب في كأس شراباً ما لا نعرف كنهه . كان طوال الوقت يدخن غليونه ، مطلقاً سحابات من دخان ذي رائحة عطرة ، وكان بين الحين والحين ينادي عبدو ويدعوه كي يخدمه ، وعندما يتأخر لسبب ما كان الدكتور يشتمه بأمه.

كان الدكتور نجيب متوتر الأعصاب دائماً . كان يتشاجر باستمرار مع الست جليلة أمه ، ومع خواته البنات ، أو مع عبدو . كان يطرد الضيوف والمرضى وذويهم ، أو يتأفف من تسجيل أسماء الموتى والمواليد والمتزوجين الجدد .

قال الشيخ علي هامساً : “أي مختار هذا ؟ . . رحمة الله على أبيه الشيخ معتوق” . وقال أبو مسعود: “لماذا إذن تعلم الدكتوراتية ؟”. وقال الشيخ أدهم إمام الجامع: “اللهم أجرنا من الأعظم!”.

لأسباب عديدة قرر أبو غالية صاحب المخزن افتتاح مقهى في وسط الساحة ، تحت النخلات الأربع . وقد عدد هذه الأسباب للحلاق حينما دخل مخزنه لشراء قميص لوكس وزهورات لمكافحة إمساك الأمعاء المزمن . قال له أبو غالية وهو يعد على أصابعه :

- أولاً لأن القرية بدون مقهى و"الغرفة" لم تعد ترضي الشباب ، ثانياً لأن أصحاب الهكتارات وكثيراً من الفلاحين أصبحوا يمضون ساعات طويلة في الساحة تحت أشعة الشمس الحارقة دون أن يكون عندهم رغبة في الالتجاء إلى"الغرفة" ، ثالثاً لأن الست كاميليا تقف باستمرار أمام نافذة غرفتها المطلة على الساحة أو تخرج لتتمطى في الحديقة أو لتسير في الساحة دوراً أو دورين ، رابعاً وأخيراً لأن هذا الحب للست كاميليا سوف يدر علي أرباحا محترمة …

ضحك فهمي طويلاً ثم تنهد وقال إنه سيصير زبوناً مداوماً عنده وأنه يعكف الآن على نظم قصيدة غزل في الست كاميليا ورجاه ألاّ يتفوه بشيء قبل أن تجهز القصيدة ، فوافق أبو غالية صاحب المخزن سريعاً ولكن بشرط أن يكون هو أول من يسمعها . وهكذا كان ، فقد تلقى ترحيباً عظيماً من جميع الشباب خصوصاً وأنهم ملّوا الوقوف أو جلوس القرفصاء أمام "الغرفة" أو أمام الجامع أو أمام منزل الشيخ أدهم ومنزل غازي صاحب العشرين ، حيث يمكن أن يشاهدوا الست كاميليا جيداً في حال وقفت خلف نافذة غرفتها أو نزلت إلى الحديقة . ثم أن عليهم أن يهربوا من نظرات الجبابرة الثلاثة أبو مسعود والشيخ علي والشيخ أدهم إمام الجامع .

أول شيء فعله أبو غالية هو شراء كمية من القصب اليابس واستئجار عبدو البنّا لتسييج دائرة بقطر عشرين ذراعاً وأوصاه بجعل المدخل يقابل منزل الشيخ معتوق وأن يكون القصب قصيراً في ذلك الاتجاه وطويلاً جداً في الاتجاهات الأخرى . ثم أحضر الكراسي والطاولات وصندوقاً تتوضع عليه أدوات صنع الشاي والقهوة وبرميلاً للماء له صنبور صغير ، ثم اتفق شفوياً مع فلاح ظريف اسمه "ملزوم" ليصبح القهوجي لقاء ثلاث ليرات يومياً ولقاء شرب الشاي والنظر إلى الست كاميليا دون مقابل . أعلن أن مساء الخميس سيكون موعد افتتاح "مقهى الذهب" فأنارت ثلاثة لوكسات المقهى والساحة كلها ، جاء كثير من الرجال من المالكين والفلاحين ليحتلوا الكراسي والطاولات ، ومنهم من بقي واقفا ومنهم من جلب من بيته كرسياً ليقعد عليه ، ثم راحوا يشربون الشاي والقهوة ووجوههم نحو نافذة الست كاميليا . ولم يمض وقت طويل حتى ظهرت الست في إطار نافذتها المضاءة فاشرأبت الأعناق وجحظت الأعين وتوقف الكلام ، ولم يعد يسمع شيء سوى الأنفاس الثقيلة أو صفير خافت أطلقه هؤلاء المتيمين السريين بالست كاميليا.

ظلت الست كاميليا واقفة لدقائق وهي مندهشة لجلوسنا هكذا وكأننا جامدون ، ثم راحت تضحك فضحكنا ، ثم رفعت يدها ولوحت لنا فرفع كل واحد منا يده ولوح لها ثم تراجعت وهي مغشية من الضحك وأسدلت الستائر .

حدث مرح عظيم بيننا ، وراح الجميع يعددون أوصاف الست كاميليا الساحرة ، ثم طلبنا الشاي والقهوة من جديد وظللنا نتناقش حول أجمل شيء في الست حتى وقف أبو غالية وقال بصوت خافت إنه سيقدم لنا مفاجأة افتتاح المقهى ، فسألناه عنها فقال إن فهمي الحلاق قد نظم بيتين من الشعر الغزلي في الست كاميليا ، فرجونا فهمي أن يلقيهما فنهض خجلان وملزوم يدفع له بفنجان من القهوة على حساب المحل . وقف فهمي الحلاق ثم مد ذراعه باتجاه النافذة وأنشد بصوت خافت ومرتجف :

الست كاميليا الست كاميليا حلوة حلوة حلوة كتير

الست كاميليا الست كاميليا ناعمة ناعمة كالحريــر

وما أن انتهى ، وقبل أن نهتف له بطول العمر ، سمعنا صوت الشيخ أدهم إمام الجامع وهو يصيح :

- أنهضوا يا كفار ، يجب أن تستيقظوا باكراً من أجل صلاة الصبح ! … لعنة الله عليكم وعلى أبو غالية ! .

*****