Print

رواية الكوميديا الفلاحية القسم الأول - Page 3

 

كان يا ما كان يا أخوان . كان نجيب قد نجح إلى السنة الثالثة وبقي له أربع سنين ليصبح طبيباً وقلت لكم أن المدينة كبيرة وبشعة على فلاح مثلي ، وكانت أيضاً كذلك على نجيب الفلاح ابن الفلاح . كان ينتظر أن تنتهي السنة ليعود إلى القرية ليمضي شهراً أو اثنين بعيداً عن المدينة وأهلها. وفي أحد الأيام دعاه أحد زملائه إلى بيته لشرب الشاي ، وهناك تعرف إلى أجمل امرأة شاهدها في حياته . قالت له إن أسمها كاميليا وإن أمها فرنسية وأباها عربي ، وقالت له أيضاً أنها تحب حياة القرية . طار عقل الولد . أصبح يلاحقها نهاراً ويحلم بها ليلاً . وبسبب مزاجها المتقلب كاد يجن. قص الولد شعره وحلق شاربه البشع وصار يدهن شعر رأسه بكريم البريانتين ووجهه بكريم إيديال مثل دعايات التلفزيون هذه الأيام . كانت تقول له إنه مازال غير جذاب . اشترى بدلات خروج عديدة ، وقمصاناً وربطات للرقبة صفراء وخضراء ، وبدّل ساعته ، واشترى خاتم ذهب بفص أزرق ، وحقيبة جلدية تركية وترك غرفته ليستأجر شقة كاملة في تلك العمارة .

كان يطلب من أبيه نقوداً أخرى ، بحجة تكاليف الدراسة المتزايدة ليشتري لها الهدايا . كانت ترضى في أوقات وتغضب في أوقات أخرى . وعندما ركع أمامها طالباً منها أن تتزوجه بصقت في وجهه وطردته . قالت له من خلف الباب أنه فلاح بسيط ولا يرضي طموحها . هكذا قالت له وأنا لا آتي بشيء من عندي . مرض الولد . بقي ثلاثة أيام في فراشه في شقته الكبيرة وحيداً ، يسخن ويهذي . كاد يموت . وفي اليوم الرابع ، وعندما لم يعد إليها ، ذهبت إلى شقته في تلك العمارة لتركع عند سريره وتبكي . قالت له وهي تشهق سامحني يا حبيبي . وما أن سمع بهذه الكلمة حتى شفي تماماً فنهض وهو يلهث فجذبها إلى السرير ليكتشف أنها ليست عذراء .

تمدد في سريره مفكراً وقد عاودته الحمى . كانت كاميليا تبكي وتقول له أنه اغتصبها وأنها الآن لا بد حامل منه وأنها ستنتحر . وقع ابن الشيخ معتوق في حيرة . ماذا عليه أن يفعل ؟ امرأته بلا شرف ، هل يرضى بها ؟ . ولكنه يحبها حتى العبادة . لقد سحرته كما سحرتني وكما سحرت كل رجال القرية ، وعندما أكد لها في اليوم التالي أنه سيتزوجها مهما كانت الظروف ، قالت له أنها لا تحبه بل تحب شاباً آخر اسمه سمير وستتزوجه .

كاد يموت الولد ، ومع ذلك بقي يلاحقها مرة وتلاحقه مرة حتى سقط في صفه . كان يشتري لها الهدايا لتكون راضية . وفي الصيف رحل إلى القرية . قال له أبوه في "الغرفة" أن الدكتور يكلف كثيراً حقاً وأنه أوقف محاصيل الأرض المحصورة بين أرض أبو مسعود وأرض محسن صاحب الخمسة هكتارات من أجل دراسته . قبّل نجيب يد أبيه شاكراً فسالت دموع الرجال على خدودهم تأثراً . مرّت السنة التالية مثل التي قبلها فطردوه من الجامعة ، ومع ذلك كان نجيب يكذب على أبيه بأنه ينجح ليرسل له النقود والله أعلم .

*****

وفي الليل قال لي الدكتور نجيب بعد أن تعشينا وراح يشرب الخمرة ، ويدخن التبغ بواسطة القصبة التي كان يسميها الغليون :

- انظر يا ابن العم ، أنت الآن الشاهد الوحيد على حياتي الخاصة . كان رشدي صاحب الخمسة يعرف أيضاً . فهذه المرأة زوجتي وهي سيدة محترمة اسمها كاميليا . لا يهم ماذا يعني هذا الاسم ولماذا سميت به ، المهم هو أنها زوجتي وستتبعني حيثما أذهب ، وبما أن والدي الشيخ معتوق قد ارتحم فقد قررت أن أنتقل إلى الضيعة وستكون السيدة معي ، وهذا لكي أكون قريبا من أملاكي فأنا كما تعلم الوريث الوحيد لأبي الذي أعطاك عمره .

نمت في الدهليز وفي الصباح الباكر ساعدت الدكتور في حزم متاعهما . كانت الست كاميليا تقذف إلينا بالألبسة المتنوعة وهي تحذرنا من نسيان أي شيء . وضعنا متاع الدكتور في حقيبة ومتاعها في ست حقائب . كنت أقف بحيث أراها داخلة أو خارجة . كنت أنظر إلى وجهها الذي مثل السكر وهي داخلة وأنظر إلى مؤخرتها التي مثل الأجاصة وهي خارجة . والله يا أخوان أنتم لا تستطيعون معرفة ما كان يحدث لي ، ولا يمكنكم أن تتصوروا ذلك . أنتم تضحكون الآن ، وأنا أضحك أيضاً ، ولكن الست كاميليا أخذت عقلي ، وكنت أتصبب عرقاً ويعاودني الارتجاف وجفاف الفم وأشياء أخرى و … أستغفر الله العظيم .

كلما التقت عينانا كانت تبتسم لي ، أو كانت تضحك لارتفاع حرارتي وارتجاف شفتي وتلعثمي أثناء الرد على أسئلتها . كانت تلمس يديّ أو ذراعي أو تحتك بي حينما تقترب مني لأمر ما وهي تقول “موش هيك يا أبو حمود ؟” فأجيبها : “طبعاً !”.

المهم أن الدكتور استأجر سيارة وانطلقنا إلى القرية . كنت راكباً إلى جانب السائق أما الست فكانت خلفه . كنت وبسهولة أنظر إليها ، أتملىّ جمالها العظيم وأتلقى بسماتها وغنجها ودلالها. وكنت أحرص على عدم لفت انتباه الدكتور أو السائق . وكنت أخطط لشيء سأدفع كل ما أملك من أجل أن ينجح ولو لمرة واحدة فقط .

وصلنا إلى القرية قبل الظهر . كان الفلاحون متبعثرين في الأراضي خلف النهر . شاهدت كثيرين منهم مشغولين في سقاية المساء . توقفت السيارة في ساحة القرية أمام أشجار النخيل الأربع قريباً من بيت الشيخ معتوق و "الغرفة" معاً . نزلت مسرعاً من السيارة وفتحت الباب الخلفي فنزل الدكتور ثم لحقته كاميليا التي مدت يدها لأساعدها ، ففعلت ولما أصبحت خارج السيارة همست لي بشفتين عجيبتين : شكراً يا أبو حمود.

وفي هذه اللحظة بدأ الناس يخرجون من "الغرفة" ومن البيوت وبدأ الفلاحون يتركون رفوشهم ويجتازون النهر راكضين نحو الساحة ، فقد عرف الجميع من السيارة أن الدكتور قد وصل . جاء عبدو خادم المرحوم راكضاً ثم ركع أمام الدكتور وقبّل يديه وهو يبكي ، ثم نهض واستدار نحو الست فتجمد ودموعه تسيل على خديه الخشنين الأسمرين . لم يكن يدري ماذا يفعل . وبكل حنيّة مدت يدها لتصافحه وهي تبتسم بحزن . صافحها كالمسطول . دفعوه فتراجع كأنه حجر . ثم اقترب أبو مسعود فقبّل الدكتور وهو يحدجها بنظرات مستغربة . ثم جاء الشيخ أدهم والشيخ علي ومحسن صاحب الخمسة وعبد المهيمن صاحب العشرة وجاسم صاحب المائة رأس وغازي صاحب العشرين وفضة أرملة حسين صاحب السبعة والآخرون . كلهم كانوا يسلمون على الدكتور ثم يقفون كالبلهاء يتطلعون إلى كاميليا وإلى جمال كاميليا الذي لا مثيل له (مثلي أنا عندما شاهدتها أول مرة في بيت الدكتور) جاءت أيضاً نساؤهم ووقفن ينظرن إليها . ثم جاء الفلاحون ، وجاءت زوجاتهم وأولادهم ثم جاءت زوجاتي الثلاث زليخة أم البنات وفطمة (أم حمود) وسعدية التي لم تلد لي أي ولد بعد . كانت الست كاميليا واقفة مكتوفة اليدين وهي تبتسم بحزن . كانت جميلة بيضاء ، طويلة أطول من زوجها بشبر، كانت أجمل مخلوق في القرية .

أنزلنا أنا وعبدو الحقائب من السيارة ثم حملناها إلى الداخل . حرصت على أن أحمل حقائب المرأة فقط . كانت تلاطفني وتقول لي : “عذبتك معاي يا أبو حمود” . كنت أشعر بلذة خدمتها ، وكنت أنتظر أن تطلب مني لبن العصفور لأجلبه لها .

انفض الجميع بعد أن ترك الدكتور وزوجته يستريحان من عناء السفر . أخذوني إلى "الغرفة" وجعلوا يلاحقونني بالأسئلة : من هذه المرأة ؟ لماذا اصطحبها معه ؟ إنها جميلة جداً . هل كانت عنده في بيت المدينة ؟ الشيخ معتوق رحمه الله لم يكن يعرف شيئاً عنها ، فهل تزوجها في السر؟ ما أسمها؟ هل ستعيش معه في القرية؟ ثم سأل عبد المهيمن صاحب العشرة وإصبعه في أنفه :

- وهل هذه أيضاً دكتورة ؟

فصاح الشيخ أدهم إمام الجامع :

- اللهم احفظنا …

فقال حميد صاحب الهكتار وهو يغمز.

- اللعنة علي ، كان يجب أن أتعلم الدكتوراتية .

فضحك الناس لأنهم فهموا مراده ثم خبطه محسن صاحب الخمسة على ظهره وهو يقول :

- حظك مثل وجهك يا حميد ، كنت ستأتي إلى القرية بواحدة تشبهك .

فقالت فضة أرملة حسين صاحب السبعة :

- حميد مثل البغل ، لم تعد تكفيه امرأتان .

فأجابها حميد وهو يظهر أسنانه المخلوعة والمتسوسة :

- والله يا أختي فضة ، أعطيك بديعة وأسوم وفوقهما الهكتار ، إذا أعطيتني واحدة مثل امرأة الدكتور .

فسأله الشيخ علي :

- وماذا ستفعل بها ؟ أنت لا تستطيع أن تغتسل سوى مرتين في الشهر ، مثل هذه تحتاج إلى رجل شاب مثل الدكتور .

فعلق أبو مسعود ضاحكا :

- مرة واحدة في الشهر حين يكتمل القمر وأسّوم تقوم بإسقاط جنابته .

فضحك الجميع بصوت عالٍ ، فيما كان حميد صاحب الهكتار يقول غاضباً :

- خسئتم ، اسألوا نسائي ، فأنا أغتسل كل يوم ، مرة عند بديعة ومرة عند أسّوم .

فقالت فضة وهي تجعد وجهها:

- جاءت إلي أسّوم تشكو أنك فرطت وأن بديعة هي المسؤولة عن ذلك .

فقال الشيخ أدهم وهو يغصّ من الضحك :

- بل جاءت إلي الاثنتان تشكوان من أنه فرط ولم يعد زلمة .

فنهض حميد صاحب الهكتار محمر الوجه وخرج من "الغرفة" غاضباً .

انفض اجتماع "الغرفة" حين نهض الشيخ أدهم ليؤذن لصلاة العشاء . عبرت الساحة إلى الجهة الأخرى باتجاه بيت أبو مسعود وأنا أتطلع نحو بيت الشيخ معتوق الذي يقع إلى يمين "الغرفة" علّي أرى الست كاميليا . لم أر أي إنسان خلف النوافذ المضيئة ، فشعرت بالغم وأنا أسير في الممشى بين بيت الأرملة فضة وبيت أبو مسعود باتجاه بيتي الواقع خلفهما .

استقبلتني زوجاتي في باحة الدار مع أولادهن . كنت أشعر وكأنني غبت سنة كاملة عن البيت. رحن يسألنني عن المرأة الجميلة ولكنني لم أجب شيئاً لأنني كنت تعباً فسألت كل واحدة ماذا طبخت اليوم ، فقالت زليخة أم البنات أنها طبخت برغل وقالت فطمة أم حمود أنها طبخت فريكة أما سعدية زوجتي الثالثة والبالغة من العمر ثمانية عشر عاماً فقد سلقت بطاطا وفرمت سلطة ، فوجدت نفسي أميل إلى البطاطا المسلوقة والسلطة وإلى المرأة الشابة فسبقتها إلى غرفتها .

*****