Print

رواية الكوميديا الفلاحية القسم الأول - Page 2

 

أرسلوني إلى المدينة . قالوا لي أذهب إلى الدكتور نجيب وأخبره بما جرى وقل له أن يأتي سريعاً. كنت قد ذهبت مرة إلى المدينة مع رشدي صاحب الهكتارين. كان يمشي في المقدمة وأنا أتبعه. ركبنا الحافلات والسيارات والباصات. مشينا في شوارع عريضة ملساء. صعدنا ، نزلنا وأنا أتبعه. هو الذي يعرف كل شيء أما أنا فقد كنت أتبعه. وحين وصلنا إلى بيت الدكتور انتظرته على باب العمارة.

مررت أولاً ببيتي لأبدل جلابيتي . أمرت زوجاتي أن يعزقن التربة ويفتحن الساقية إلى أرضنا أثناء غيابي ، ثم ركبت البغل يتبعني ولدي حمود كي يعيد الدابة بعد أن أستقل الباص المسافر إلى المدينة. وما إن انتظرنا ساعة على الطريق حتى جاء الباص فركبت وتوكلت على الله.

أنتم لا تعرفون ابني حمود ولن تعرفوه ، فقد قتل بعد ذلك ، هو وأمه فطمة وهي زوجتي الثانية. كان عمره ثلاث عشرة سنة حين شاهدته من نافذة الباص يقفز إلى ظهر البغل ليعود به إلى القرية.

وصلنا إلى المدينة بعد الظهر. أنزلونا هناك، في نفس المكان. الله يعين أهل المدينة على مدينتهم. ما أكثر البشر والسيارات والحمير. سألت سائق الباص عن الدكتور نجيب فلم يعرفه. سألت رجلاً آخر فلم يعرفه أيضاً. ما هذه المصيبة؟ المدينة كبيرة جداً ، والناس كثر فكيف سأجد العمارة التي يسكن فيها أخونا الدكتور؟. شعرت بالدوار والجوع فقعدت على الرصيف أتفرج على الناس.

كان يا ما كان في قديم الزمان ، كان نجيب قد نجح في المدرسة. قالوا لنا حين كنا نحصد الهكتار المزروع شعيراً ، إن نجيب قد عاد من المدينة ومعه جريدة كتب فيها اسمه. كان ذلك قبل أن يموت الشيخ معتوق بثماني سنوات. سمعنا الزغاريد تصدح من كل جهات القرية فزغردت زوجتاي، فلم أكن قد تزوجت الثالثة بعد . قذفتهما بالحجارة والشتائم ثم تركت المنجل وهرعث إلى "الغرفة". كان نجيب جالساً إلى جانب أبيه بالطقم المديني وشعره مسرحاً ومدهوناً. كان الجميع سعداء، والشيخ معتوق يضحك ، وعبدو يصب القهوة والشيخ أدهم يتعلم لفظ كلمة (بكالوريا) ونجيب يبتسم وهو صامت.

ذبحوا خمسة خواريف وطبخوها ثم تناوبنا على السمّاط، ثم تكومنا في "الغرفة" ندخن ونسعل ونبصق ونشرب الشاي. كنا ننظر إلى الأستاذ نجيب الذي أصبح نصفه بسبب هذه الشهادة.

سأل جاسم صاحب المائة رأس غنم:

- ماذا سيفعل نجيب الآن بعد أن أصبح أستاذاً ؟

فقال الشيخ معتوق:

ماذا تريدون أن يفعل ؟ .

فقال الشيخ أدهم إمام الجامع:

- أدخله في كلية الشريعة .

وقال آخر :

- افتحوا له مدرسة ليعلم أولادنا القراءة والكتابة ! .

ثم قال كل واحد بدوره :

- اتركوه يدخل الجيش ليصبج ضابطاً .

- الأفضل له أن يصير شرطياً ، فنحن بحاجة إلى مخفر.

- يا شيخ معتوق ، أعطه عشرة هكتارات ليزرعها ، فهذا أفضل شيء .

- ابحثوا له عن زوجة .

- بكم ليرة هذه البدلة يا نجيب ؟

- ما اسم هذا الشيء الذي يتدلى من ياقة القميص ؟ .

- دعونا في الجد ، لماذا لا يصير تاجراً عوضاً عن ذلك اليهودي الذي يأتي من المدينة ليشتري المحاصيل؟

- والله يا نجيب لازم تصير مطهّر صبيان.

ولكن نجيب لم يكن يجيب ، بل كان ينظر إلينا وهو يبتسم ولولا العيب لقلنا أنه أجدب.

في النهاية وقف الشيخ معتوق فوقف ابنه ووقفنا نحن ، ثم حسم الشيخ النقاش بأن نجيب سوف يسافر إلى المدينة مرة أخرى ليدخل الجامعة ويصير دكتوراً .

لعنة الله على هذه المدينة يا شباب . لو أعطوني مال قارون لما تركت القرية وجئت إلى هذه الفوضى. حتى الآن خمسة داسوا على قدمي وأنا جالس على الرصيف ، وثلاثة رفسوني في ظهري وواحد بصق على رأسي . الله يعين الدكتور نجيب على هذه العيشة ! . ولكن رجلاً يلبس بنطالاً وقميصاً وقف ثم انحنى وهو يدخن سيجارته وسألني : “عن ماذا تبحث يا عم ؟” قلت له عن مسكن الدكتور نجيب. فقال دعك منه تعال لآخذك إلى دكتور آخر أشطر منه فقلت له أنا لست مريضاً بل جئت إلى هنا لأجد الدكتور نجيب ابن الشيخ معتوق مختار "قرية الذهب" لأخبره خبراً سيئاً. شتمني الرجل ثم رحل . عاد بعد قليل وقد عاد إليه لطفه . قال لي يسألني : “هل ستعطيني خمس ليرات إن وجدته لك وأوصلتك إليه ؟” فقلت له “أي باللّه” . فذهب ليعود بعد نصف ساعة حين كان المؤذن يشرع بآذان العصر .

قال اتبعني . تبعته وأنا أحمد الله . ركبنا ماكينة اسمها الترام . نزلنا منها بعد أن طلعت روحي. ثم سار بي الرجل في الطرقات العريضة والمشجرة. سألته وأنا أخرج علبة التبغ لألف لي سيجارة على الماشي : “كيف عرفت مكان سكن الدكتور ؟” فأجابني دون أن يتمهل في مشيته “الدنيا صغيرة يا شيخ” استغربت كلامه وأنا أشعل السيجارة.

توقف أمام بناية من ثلاثة طوابق وقال أننا وصلنا. فعلاً إنها هي . أنا متأكد من ذلك ، ولكن يجب أن أتأكد أكثر . مد يده مطالباً بالخمس ليرات فقلت أنني سأدفعها فوق ، أمام بيت الدكتور.

طرقنا الباب ، أخرجت له الليرات الخمسة ونحن ننتظر. أعاد الرجل طرق الباب وهو يشتمني، وما هي إلا لحظة حتى سمعنا قرقعة ثم انفتح.

لو تعلمون يا شباب ماذا رأيت . والله لو عشتم مائة سنة لن تروا مثل ذلك العجب. امرأة كالحليب ، طويلة ، ذات شعر أصفر مجعد يغطي العنق حتى الكتفين وينفرج على أجمل وجه شاهدته في حياتي كلها وحتى هذه اللحظة . بصراحة يا أولاد ، أنا انهبلت . سمعت الرجل يسألها عن الدكتور نجيب ، فابتسمت كألطف خلق الله ثم فتحت شفتيها اللتين تود أن … آه أستغفر الله العظيم، ثم سألت: من يريده ؟ . أجابها أن هذا الفلاح يريده ، ثم هجم علي والتقط الخمس ليرات وهرب دون أن أرفع عيني عن ذاك الملاك الواقف بالباب .

حاولت أن تفهم مني ماذا أريد دون جدوى فقد انعقد لساني وانسد عقلي وجحظت عيناي بينما كانت تتلاطف معي ، وتسألني بصوتها الذي يغرد كالشحرور عن حاجتي إلى الدكتور نجيب، فقلت أخيراً دون أن يزول السحر عني ، إنني من قريته وأرغب في التكلم معه . فأدخلتني ثم أجلستني على كرسي في الدهليز وراحت تخطو أمامي مبتعدة ، بثوبها الحريري الأحمر المسدل حتى الكاحلين والذي يجعلها أكثر روعة .

وبعد قليل جاء الدكتور نجيب فسلم علي وأدخلني إلى غرفة فيها ستائر ومقاعد فجلسنا وراح يسألني عن القرية وأحوالها وهو يحشو قصبته بالتبغ ويمتص الدخان من طرفها ثم صاح للمرأة: “اعملي لنا الشاي يا كاميليا” . راح يسألني ما بي ، فلم أقل له أن المرأة قد سطلتني وأخذت عقلي، فقال إن وجهي أحمر وعيني حمراوان ، فقلت له بسبب السفر ، ثم رحت أبحث في أصابعه عن خاتم الزواج فلم أجد شيناً فتأكدت أن المرأة ليست زوجته . فمن تكون إذن ؟ .

سألني عن والده الشيخ معتوق ووالدته فقلت له زين ثم سألني عن سبب مجيئي فلم أعرف كيف أجيبه لأنني كنت أفكر أنني على استعداد لتقديم الهكتارين اللذين أملكهما ثمناً لليلة واحدة ، ولكنه أصر على معرفة السبب ولماذا لم يأت رشدي صاحب الهكتارين هذه المرة بل جئت أنا ؟. فقلت له وأنا أرتجف لأن كاميليا الجميلة دخلت وهي تحمل صينية الشاي، بأن رشدي صاحب الهكتارين قد هرب من القرية نكاية بزوجته طويلة اللسان ، وأنني جئت لأن أهل "الغرفة" طلبوا مني ذلك لأخبرك بأن … الشيخ معتوق قد مات .

سمعت صرخة عظيمة أطلقها الدكتور ثم صوت سقوط صينية على الأرض وتحطم كؤوس من البللور.

*****