Print

رواية حالة شغف الفصل الأول - 4

قال الشيخ.. كانت بديعة (وهو اسم الام) جميلة ولكن جريئة. لم تكن خجولة مثل ابنتها وداد. ربما كل ما جرى لها جعلها تربي ابنتها بطريقة جديدة، طريقة قد تغنيها عن خوض نفس التجارب التي مرت بها الأم. كل الامهات يردن لبناتهن حياة أخرى غير التي عشنها، وخصوصاً بديعة، التي هربت من بيت أهلها في بداية الحرب. كان الرجال قد بدأوا يختفون من الشوارع ومن البيوت. محكوم على الرجل أيام الحرب ان يذهب إلى الحرب أو ان يختفي. هذه هي الحكمة أو القدر المتربص للرجال، فقد كان الجندرمة الاتراك، ذووا الحبال يتربصون بهم على ناصية الشارع. كانوا يلتقطونهم ثم يختفون بهم إلى حيث لا يعلم سوى الله ما قد حصل لهم، وهذا كان نصيب أخيها محمد علي المتزوج حديثاً، أما أبوها فقد هرب. صار يرسل لهم بعض المؤن والنقود كل مدة ولكنه هرب على كل حال. أصبح البيت بيتاً للنساء فحسب، وقانونه قانون النساء. أمها كانت شديدة وصعبة المراس. كان أغلب النساء في البيت من الجميلات ولهذا السبب راحت الأم تفرض عليهن قوانينها الصارمة، لهذا السبب هربت بديعة إلى حلب. وبما أنها غالباً ما كانت تسلي أخواتها وامرأة أخيها بان تعقد شالاً حول وسطها وترقص لهن، فقد قررت ان تستفيد من هذه الموهبة لتحصل على لقمة عيشها.

لم تكن الحياة في بلدتها مستحيلة، فقد كان مجتمع النساء يدبر حاله ويمشي أموره، أما هنا في حلب فقد اصطدمت يوم وصولها بمظاهر الجوع. كانت الشوارع في بعض الأحيان تخلو من المارة الأصحاء، وفي أحد الطرقات مرت بجثة رجل عجوز مات من الجوع. ارتعبت بديعة. خافت مما تخبئه لها هذه المدينة التي طالما سمعت بها وجعلت تأتيها في المنام. حسبت ان الأمور تجري على غير هذا المنوال.. الناس يموتون جوعاً بينما هي قادمة هاربة من قوانين أمها الصارمة. كادت ان تعود أدراجها إلى بلدتها والى دولة أمها لو لم يسألها رجل مر بها وهي لاطية إلى جانب أحد الأبواب فطلبت منه حسنة لله فأعطاها قرشاً.. سألها إن كانت تجيد شيئاً غير الشحاذة فقالت انها تعرف الغسيل والتنظيف والطبخ والرقص. نعم، تجرأت وذكرت الرقص لأنها فعلاً كانت تعرف كيف تهز خصرها وثدييها، وحسناً فعلت ذلك فأعمال الكنس والتنظيف والطبخ لا قيمة لها تلك الأيام خصوصاً وانه ليس هناك ما يطبخ ويؤكل. قال لها الرجل انهضي واتبعيني. تبعته وهي تقضم قطعة من الصمون المتيبس اشتراه لها كي تسد رمقها ريثما يتدبر أمرها.. ولكن إلى أين قادها ذلك المحسن الذي جاء في الوقت المناسب؟.. هكذا سألت الشيخ وانا اتحرق شوقاً لمعرفة مصير بديعة، فقد بدأت القصة المشوقة تفعل فعلها فيّ حتى إن كوب الشاي كان قد برد وكنت قد نسيته منذ ان بدأ الشيخ الجليل في سرد قصته. طلب مني ان أكون صبوراً إن أنا أردت سماع الحكاية حتى النهاية فاعتذرت منه ثم تناولت كوب الشاي فعرفت حين ذاك انه بارد رغم شعاع الدفء الذي كان يشع من المدفأة.. هناك شيء أريد ان يعرفه القارئ وهو انني كنت أريد معرفة قصة الأم كي نعود إلى قصة الابنة، ولكن الشيء الممتع في طريقة سرد الشيخ للحكاية هو انه يتنقل من هذه إلى تلك دون قانون معين ودون ان ينتهي من حكاية الأولى لينتقل إلى حكاية الثانية وأنا لا أعرف السبب ولكنها طريقة ممتعة.. والآن فلنعد إلى حكاية بديعة واعتذر من القارئ لهذا التدخل من طرفي ولكنني أجد من المناسب الدخول على الخط بين فترة وأخرى لأن وجودي مع الشيخ واستماعي إلى حكايته هما حكاية بحد ذاتها..

قال الشيخ الجليل ان ذلك الذي تسميه محسناً قد أخذها إلى إحدى أشهر المغنيات في المدينة في ذلك الزمان وهي الخوجة بهيرة وباعها إليها بتسع ليرات ذهبيات ثم رحل ولم تصادفه بديعة مرة أخرى أبدا. سألته وأنا أرتجف غضباً:

- باعها ذلك الوغد؟

- نعم باعها، ولكن لا تفهم من كلمة باعها انه قد باعها فعلاً، لقد عرف من جمال وجهها ومن إخبارها له انها تعرف الرقص انه إذا قدمها إلى الخوجة بهيرة فإنها سوف تكافئه على ذلك، وهذا شيء عادي، فبهيرة مغنية مشهورة في كل المدينة وهي تحب ان تكون محاطة بالفتيات الجميلات ثم انها كانت بحاجة إلى راقصة ترافقها في حفلاتها ولهذا السبب حصل على مكافأته.

عندما شاهدتها الخوجة بهيرة كادت تسقط على الأرض مغشياً عليها (التعبير الأدبي للشيخ وقد استخدمه عدة مرات خلال سرده للحكاية). لقد كانت بديعة جميلة، بل فائقة الجمال. كانت قطعة نفيسة سقطت في يدي الخوجة بهيرة وهي ستعرف قيمتها بلا ريب. نحن نعلم ان النسوة اللواتي يعملن في هذه المهنة على شيء ضئيل من الجمال.. حتى ان العديدات منهن يعتبرن دميمات. كن بدينات، سمراوات، مترهلات الجسد ومسنات. ماعدا اليهوديات منهن، فقد كن مشهورات بجمالهن وكانت الفرق الموسيقية في المسارح تتصارع من أجل الحصول عليهن مثل تلك اليهودية جميلة التي أخرجت الآهات الحارة من الصدور ليس بسبب صوتها الشجي فحسب، بل بسبب جمال وجهها ولدانة جسمها وبياض بشرتها.

أخذتها الخوجة بهيرة واعتنت بها ثم صقلت حركات جسمها وعلمتها بعض الفنون الاضافية اللازمة للراقصة مثل تثبيت الساقين والجذع جيداً ومن ثم هز الخصر بسرعة مع تحريك اليدين. هذه الحركة التي لم تكن بديعة تتقنها جيداً بل كانت تتحرك باستمرار مما يعطيها شكلاً أكثر رجولية وهذا ما لا ترغب به النساء وبهيرة بالذات، فالانوثة الطاغية ضرورية للراقصة. ظلت تعطيها الدروس وتأتيها بمن يعلمها الحركات والفنون اللازمة حتى اتقنت بديعة الرقص الشرقي ورضيت عنها بهيرة.

كان لبهيرة شكل غريب وهي المغنية المخضرمة والمعروفة في كل الأوساط في المدينة. كانت تشبه الرجال في وجهها وجسدها وحركاتها. كانت أيضاً تتشبه بهم. ترتدي ثيابهم وتتجول بها ولا تنسى ان تضع في بعض الاحيان الطربوش الاحمر. كانت تحب ان يحسبها الناس رجلاً، حتى انها تهوى الصعود إلى خشبة المسرح مرتدية بنطلوناً وقميصاً للرجال، كما انها لا تنسى ان تضع ساعة في جيب البنطلون الصغير بينما تظهر سلسلتها إلى العيان. وفي أعراس النساء فان مظهرها في جو الحريم هذا يجعل النسوة أكثر تهيجاً ومرحاً. كانت لا تأبه للتعليقات وللكلمات الداعرة التي تتفوه بها بعض النسوة، بل كانت تشارك فيها، ولعلهن كن يسمعنها مثل تلك الكلمات كي ترد عليهن بمثلها وأعظم. كانت امرأة مسترجلة ذات لسان بذيء.

وبهيرة ليس هو اسمها الحقيقي، ولا أحد يعرف ماذا كانت تسمى ولعل البعض أطلق لخياله العنان فراح يدعي بان اسمها الحقيقي كان على شاكلة حسين أو عبد الـ... أو ابو صطيف وغيره من الاسماء التي تطلق على الرجال بسبب شبهها بهم. وقد كانت بهيرة حلبية الاصل من حي "قسطل المشط" لم يرزق والداها بغيرها، وخوفاً عليها من أولاد الحرام ادعى ابواها بأنها صبي وراحا يقصان شعرها ويشبهانها بالصبيان حتى انها كانت تعاشر الصبية على انها واحد منهم دون ان يشكوا في أمرها (هذه القصة صحيحة مئة بالمئة وقد كانت تعرف آنذاك باسم صبحي) حتى قيل انها شكلت عصابة من الصبية تحت قيادتها دون ان يعرف أحد بأنها فتاة، وكانت العصابة تغير على البيوت وعلى البساتين لسرقتها، وفي احد الأيام ذهب صبيان العصابة الى بيت احدى العاهرات لسرقتها ولكنها راحت تبكي وترجوهم ألا يسرقوها لأنها في الأصل لا تملك شيئاً للسرقة وعرضت عليهم بدل ذلك ان يناموا معها بالتناوب. أعجبتهم الفكرة وكاد صبحي (بهيرة) ان يفقد مكانته لدى مرؤوسيه من أفراد العصابة فقد خاف من الفكرة لأنها قد تكشف حقيقة جنسه أمامهم. حاول ان يثنيهم عن ذلك ولكنهم كادوا ان يتعاركوا معه فقد كانوا يستميتون من أجل ممارسة ذلك الفعل الذي سمعوا عنه دون ان يمارسوه حتى الآن، وهاهي الفرصة قد سنحت لهم صدفة وبالمجان فلماذا يمنعهم عنها صبحي .. ياله من كلب دنيء.. ؟!! وفي النهاية وافق فراح الصبية يدخلون على العاهرة الواحد تلو الآخر. كانوا يخرجون وهم يضحكون فقد كان الأمر ممتعاً. أخيراً جاء دور صبحي رئيس العصابة. خاف من أن تنكشف حقيقة جنسه فقرر ان يدخل وكان دوره آخر واحد فيهم. وعندما دخل على المرأة وجدها منفرجة الساقين، منهكة ومستسلمة فاجتاح بهيرة شعور طاغ بملامسة جسد العاهرة فاقتربت منها وراحت تلاطفها حتى انها استغربت فعل رئيس العصابة، فعوضاً عن أن يقوم بالفعل اللازم راح هذا العصابجي يلاطفها ويقبلها ويتلمس جسدها وخفاياه حتى شعرت بالمتعة، وهذا ما شعرت به أيضاً بهيرة فاكتشفت في نفسها ميلاً نحو بنات جنسها.

منذ ذلك الوقت صارت بهيرة أكثر انسجاماً مع أعضاء عصابتها. حتى ذلك الشيء الذي كانت تخاف ان يكتشفه الرفاق تحول إلى الدرجة الثانية. لقد استطاعت ان تمارس الحب مع امرأة عاهرة كالصبيان واستطاعت ان تشعر بمتعة عظيمة. حتى انها اقترحت على صبيان العصابة الذهاب إلى بيت المرأة عدة مرات، وبما انها كانت فقيرة فقد نصحت بان يدفعوا لها، وهكذا تحولت العصابة إلى زبون دائم عند المرأة وفي كل مرة كانت بهيرة تكتشف عشقها لجسد المرأة وكراهيتها لجسد الرجل، حتى ذلك اليوم الذي همست فيه المرأة إلى أحد أفراد العصابة بان رئيسهم ليس رجلاً لأنه يكتفي بالمداعبات رغم انها كانت مداعبات محمومة. نقل الصبي ما قالته له المرأة إلى باقي رفاقه فراحوا يراقبون صبحي باستمرار فاكتشفوا بعد مدة انه لا يتبول وقوفاً مثلهم، أو أنه لا يتبول بالمرة، فقد كان صبحي يدعي انه ليس محصوراً عندما يصطف الصبيان ويخرجون أعضاءهم ويتبولون. كان يبتعد عنهم وهم يفعلون ذلك. كانت مصيبة عظيمة بالنسبة لصبيان العصابة. فضيحة بجلاجل.. فأية عصابة هذه التي رئيسها " شكر" (لا أنثى ولا ذكر)؟؟ يا للعار.. تمنوا ان يكون الأمر على غير ما يعتقدون، أو ان تكون العاهرة على خطأ، ثم كيف يمكن تصديق عاهرة والشك برئيس العصابة؟ كان عليهم ان يكتشفوا الأمر بانفسهم.. ولكن كيف؟ هل يمكن طرح السؤال على صبحي؟ هذا مستحيل، فلا يمكن طرح مثل هذه الاسئلة، انها مهينة، فماذا لو كان الموضوع كله خطأً وكانت تلك الساقطة تحاول الايقاع بينهم لتتخلص منهم؟

كانوا في رحلة إلى جسر (القرّي) على نهر قويق. كانوا قد سرقوا دجاجة من أحد البساتين القريبة وقاموا بذبحها ثم أشعلوا النار وقاموا بشيها. سبحوا في النهر وتباروا في دخول الدوامة المائية التي سبق وابتلعت العديد من الصبيان والرجال، وعندما استلقوا ليستريحوا شاهدوا صبحي (الذي اعتاد الا يشاركهم لعبهم في الماء) مستلقياً. كان نائماً. حينها استقر رأيهم. قرروا ان يمسكوا به من يديه ورجليه ويقوم أحدهم بخلع بنطلونه وقميصه. عليهم ان يحلوا المسألة اليوم مادام الوقت مناسباً، فإن كان صبحي صبياً مثلهم فسوف يضحكون ويجعلون الأمر يبدو وكأنه مزاح.. ولكي لا يستاء صبحي تعرى الصبيان. خلعوا اللباس، القطعة الأخيرة التي تستر عورتهم ثم اقتربوا من النائم، وباشارة من صاحب الفكرة أمسكوا بصبحي وراحوا يعرونه. أفاق وحاول الدفاع عن نفسه ولكنهم كانوا قد أمسكوا به جيداً وهم يضحكون. خلعوا عنه بنطلونه ثم لباسه، وعندما ظهرت عورته توقفوا عن الضحك... لقد استنتجوا ما كانوا يخافون منه. كان صبحي فتاة.

تناسوا العار أمام المفاجأة. كيف لم يخطر ببالهم ان زعيمهم فتاة؟ تركتهم بهيرة وعادت وحيدة إلى المدينة وهي تبكي. أما هم فقد عقدت المفاجأة ألسنتهم. لقد استطاعت بهيرة ان تخدعهم طوال تلك المدة لأنها تشبه الصبيان في كل شيء، تشبههم بالوجه والسيقان والايدي. كان لها عضلات وكانت تقاتل كما يقاتل الصبيان. كانت تشبههم في كل شيء ماعدا في ذلك الشيء الذي يميزهم في أسفل البطن، وهذا الشيء كانت بهيرة تخدعهم به لأنها كانت تتحاشى التبول أمامهم. وماذا عن الثديين؟ كانوا في الخامسة عشرة، أي ان لبهيرة صدراً كسائر الفتيات اللواتي في عمرها.. هل كانت تربط صدرها؟ فصلوا بهيرة من العصابة وانتخبوا صبياً آخر ليكون زعيمهم، وكان أول قرار اتخذوه هو اغتصاب بهيرة. ولكنها كانت صاحية فتملصت منهم. هي أيضاً اتخذت قراراً خطيراً. قررت ألا تتزوج أبداً، لا لشيء إلا لأن الرجال والصبيان يمتلكون أجساداً تثير في نفسها الاشمئزاز..

أصبحت تكره مجتمع الرجال، ومن أجل ذلك صارت مغنية أعراس. في الثامنة عشرة اكتشفت أمها حلاوة صوتها. كانت بهيرة قد بلغت وجاءها الحلم، ولكن أي حلم هذا الذي صار يجيئها؟ كانت تحلم بمعاشرة النساء. كانت ذات قد ممتشق وغير مترهل، أما صدرها فقد نما بشكل يستحيل عليها إخفاؤه بالرباطات. لم يعد يضايقها ذلك لأنها لم تعد تحب معاشرة الصبيان وأصبحت تفضل عليهم معاشرة الجنس الألطف.. النساء. كان جنسها يهيئ لها مثل هذه المعاشرة بسهولة، ففي بلدنا يستحيل على شخص ما ان يدخل مجتمع النساء إن لم يكن امرأة، حتى لو كانت المرأة تشبه الرجال مثل بهيرة. وعندما اكتشفت امها حلاوة صوتها كما مر ذكره، صارت تشجعها على الغناء في حضرة الصديقات والجارات ولم يخطر في بال الام ان بهيرة ستصبح يوماً مغنية أعراس. كانت شهرة بهيرة قد ذاعت في المدينة وفي كل بيت. كانت مغنية الأعراس واستقبالات النساء وحفلات الولادات وبالتحديد حين يكون المولود صبياً. كانت تذهب إلى الحفل مع فرقتها الموسيقية التي من المفترض ان يكون كل العازفات من النساء أيضاً، أما هي فقد اعتادت ان تقف على الخشبة وهي ترتدي ثياب الرجال، وفي بعض الأحيان كانت تضع طربوشاً على رأسها أو ترسم شاربين مفتولين ودائماً كانت تشكل وردة بيضاء في عروة سترتها. كانت قد اشتهرت بمزاجها الذكوري ذاك وهذا بالذات ما جعل نساء المدينة يمتن فيها ويعبدنها. كانت تشكل حالة اسمها صرعة بهيرة.

هناك شيء آخر اشتهرت به ألا وهو حبها للنساء. حبها لبنات جنسها. كانت أخبار عشقها ومعشوقاتها تتردد في الصالونات وفي الاستقبالات وفي حفلات الحمام. لم تكن تخجل من هذه الاخبار أو الاشاعات، بل كانت تفتخر بها وتتفاخر بآخر معشوقة لها وصراعها المحموم من أجل الاحتفاظ بها وابعادها عن الحاسدات والمنافسات من اللاتي اشتهرن أيضاً بحبهن للنساء. كان هناك صراع أيضاً بينهن من أجل اكتساب قلب امرأة أو فتاة جميلة تدخل الوسط لأول مرة، وقد كانت الخوجة بهيرة قد كسبت احدى الموسيقيات، وكانت بالمناسبة عازفة قانون شقراء، كسبتها من غريمتها الخوجة سماح وضمتها إلى فرقتها، حين قرع الباب ودخلت بديعة برفقة ذلك الرجل الذي قادها اليها ليربح بذلك تسع ليرات ذهبية في زمن الحرب والفقر والموت جوعاً.

سألني الشيخ الجليل وقد أشرق وجهه بابتسامة ذكية:

- هل عرفت أخيراً لماذا فرحت الخوجة بهيرة ببديعة بحيث انها دفعت مبلغاً طائلاً وبالذهب الأصفر إلى الرجل لقاء اتيانه بها إليها؟

- عرفت أيها الشيخ الجليل، أتصور انها كانت على شيء عظيم من الجمال ، فتاة فاتنة سيقت إلى امرأة مخضرمة وعاشقة للنساء. ولكن قل لي من فضلك.. ألم تثر غيرة باقي النساء من الموسيقيات أعضاء فرقة الخوجة بهيرة، وخصوصاً تلك التي أتيت على ذكرها، أقصد عازفة القانون الشقراء التي سرقتها بهيرة من غريمتها الخوجة سماح؟

- كادت الشقراء تموت من الغيرة، انت لا تعرف هذا الصنف من النساء، وربما تعرف ولا يحق لي الإقلال من شأن معارفك وخبراتك في الحياة، ولكن تصور امرأة تنافست عليها امرأتان مخضرمتان في العشق فترى نفسها فجأة وقد زال اهتمام عاشقتها بها وراحت تصب كل اهتمامها على تعليم بديعة أصول الرقص كفن وعلم وتهتم أيضاً بجمالها ورونقها وأناقتها.

- وماذا حدث لتلك الشقراء؟

- هجرت الخوجة بهيرة وعادت من جديد إلى الخوجة سماح.

ضحكت عندما قال ذلك الشيخ، فقد أصبحت القصة أكثر امتاعاً، ويبدو انني قد استهوتني كثيراً قصص تلك النسوة العاشقات، ومن أجل ان أبدو عارفاً بهذه الأجواء فقد أسميتهن للشيخ، قلت له:

- اعتقد انه يطلق عليهن اسم بنات العِشْرة.

- نعم.. بنات العِشْرة.

- ولكنني لا أعرف من أين أتت تلك التسمية، هل تعرف انت أيها الشيخ؟

- أعتقد أن بنات العشرة تسمية تطلق على النساء اللواتي يتعاشرن كما يتعاشر الرجل والمرأة، لهذا السبب أطلقت عليهن هذه التسمية. ففي تاريخ المدينة هناك أخبار عن نساء يعشن سوية في بيوت كأنهن أسر عادية. كأنهن رجل وامرأة، ودائماً هناك من تأخذ دور الرجل في البيت والأخرى تأخذ دور المرأة.

- وهل من الضروري ان تكون الأولى أكبر من الثانية؟

- على الأغلب، ولهذا السبب تسمى الكبيرة، أي التي هي بمثابة الرجل في البيت، والأبلاية هي تحريف لكلمة تركية تطلق على الأخت الكبيرة.. اما الثانية فهي تنسب إلى الأولى أي إلى الأبلاية ويقال عنها "فتاتها"..

- وماذا حدث بعد ذلك لبديعة، فقد بدأت أهتم بها لأنها أم بطلتنا وداد التي وصلت إلى حلب بالقطار وبيدها مظروف معنون وقد صادف أن التقطت لها صورة مع المندوب السامي الفرنسي؟

- أصبر علي قليلاً، فأنا أريد ان أحدثك شيئاً عن الخوجة سماح.. ولكن الوقت قد تأخر، وأنا أرى بان الخادم قد ذهب إلى النوم، فما رأيك ان نصعد نحن أيضاً إلى غرفتينا لنأخذ قسطاً من الراحة على ان نتابع في الغد؟

قلت فليكن، وخصوصاً وأنني قد عشت اليوم أحداثاً مرهقة واذا أردت ان أستمع جيداً إلى القصص وان ترسخ في ذاكرتي، فعلي ان أكون بكامل قواي. نهضت وساعدت الشيخ في الصعود إلى غرفته. كان ضعيفاً جداً فكان يرتجف عند صعوده الدرجات، وقد وجد مشقة عظيمة في الوصول إلى الغرفة. فتحت له الباب ثم أضأت النور ثم ساعدته في الوصول إلى الفراش، ولم أتركه حتى اطمأننت عليه وعلى أغطيته السميكة. شكرني ثم تمنيت له ليلة سعيدة وهممت في الخروج ولكن نظرة سريعة ألقيتها على الغرفة جعلتني أتسمر في مكاني. كانت الجدران مليئة بالصور المؤطرة. لم يكن هناك مكان لصورة أخرى إذا ما احتاج يوماً إلى اضافتها إلى مجموعته، حتى ان الصور توزعت أيضاً على طاولة صغيرة للكتابة وعلى الكوميدينتين المركونتين إلى جانبي السرير وعلى التواليت. كانت صوراً لنساء ورجال، أطفال وشيوخ، كلهم من الطبقة، وكلهم كانت له علاقة بهم يوماً. كان الشيخ ينظر الي فشعرت انه لا يريدني ان اتطفل على صوره وماضيه (لم يكن شعوري صحيحاً آنذاك فقد أخبرني بعد ذلك بأنه كان يحب فضولي ذاك) فودعته ثم أطفأت النور وخرجت.

رغم كل تعبي واستغرابي من الشيخ ومن بيته وغرفته وصوره وخادمه استغرقت في النوم مباشرة بعد ان وضعت رأسي على المخدة، وكنت قد تأكدت من أنني أقفلت الباب جيداً من الداخل، فأنا مع ذلك حريص جداً ومرد ذلك إلى جبن قديم يسكن في قلبي.

* * * * *