Print

رواية حالة شغف الفصل الأول - 3

دخل الخادم علينا وبيده إبريق من الشاي الحار. صمت الشيخ فجأة وكأنه يعطيه الفرصة كي يقوم بعمله بصب الشاي، ولكن خطر في بالي بأن الشيخ صمت لأنه يخادع خادمه أو ربما لأنه كان يريد أن ينشد بعض الراحة. على كل فقد صب الخادم الشاي دون قرقعة وقدم لكل منا فنجانه بخفة، ولو كان الشيخ قد استمر في الكلام لما تأثر انتباهي بوجود شخص ثالث، بل على العكس، فقد شعرت أن صمت الشيخ دفعني إلى متابعة الخادم فيما كان يقوم به، وتملكني أيضاً الشعور بعدم الراحة الذي خبرته منذ اللحظة الأولى التي واجهته فيها عند باب البيت. مع ذلك شكرت الخادم بلطف وبدأت بارتشاف الشاي الساخن فقد كنت لا أشبع منه بسبب البرد الذي تسلل إلى عظامي أثناء تجوالي في البرية بعد خروجي غير المفهوم من اللاندروفر. وما إن خرج وأغلق الباب حتى جاءني صوت الشيخ الهادئ والرخيم..

ظلت وداد واقفة خارج المحطة ساعة كاملة حتى أتتها عربة حنتور ذات غطاء أسود يجرها حصان وحيد. أعطت السائق العنوان ثم ارتاحت في المقعد الخلفي مطمئنة، فقد كان السائق رجلاً يوحي بالثقة، ثم راحت تتفرج على المدينة.

تساءلت في سرها كيف كانت المدينة تبدو لأمها قبل ثمانية عشر عاماً؟

كانت قد حدثتها عن ذلك النهار الذي هربت فيه من المدينة. هربت بالقطار المسافر إلى الشمال الذي استقلته من نفس المحطة. في ذلك اليوم من الحرب العامة التي تقاتل أثناءها الجميع وكل البلدان. كانت الحرب في نهايتها وكان الاتراك يتجمعون بالآلاف في المحطة، كل يبحث لنفسه عن مكان في القطارات التي ستغادر إلى الأراضي التركية. رجالات سياسة سابقون، ضباط أخفوا رتبهم، ولاة قدماء، كبار موظفي الدولة العثمانية ورجال كان السلطان قد خلع عليهم رتب الباشوية، قائمقامات لبلدات ونواحٍ ضائعة في خضم الأحداث العسكرية المدمرة. كانت المحطة تغص أيضاً بالنساء المترفات والاطفال الشبعانين وبمحظيات القادة العسكريين القلقات على مستقبلهن.

كل هؤلاء كانوا يفترشون أرصفة المحطة غير عابئين بأناقتهم التي طالما حرصوا عليها، كانوا أيضاً يتأبطون الصرر والحقائب التي حملوا فيها ما ادخروه أو نهبوه في الولايات التي حكموها. كانت القوافل تصل إلى المحطة باستمرار، وعندما لم يتبق لهم موطئ قدم داخل المحطة وعلى أرصفتها، أنزلوا أحمالهم عن العربات والبغال (ثم تخلوا عنها فيما بعد عن طيب خاطر لأن الروح أغلى من كل متاع) وسكنوا الساحة الخارجية للمحطة. وعندما وصل القطار هب الجميع دفعة واحدة وصار كل واحد فيهم يصرخ محاولاً شق طريقه إلى فتحات العربات ليحتل له مكاناً فيها. وقد حاول كل واحد التعريف بنفسه، ولكن من كان يهتم بالرتب أو بالألقاب؟ أما من استطاع الوصول إلى احدى العربات فقد كان يصرخ لأنه أضاع أحد مرافقيه أو إحدى زوجاته أو أحد أبنائه..

وبصعوبة شديدة استطاعت الأم ان تجد لها مكاناً في عربة لنقل المواشي. كانت في الشهر الخامس من حملها، ولم يكن حملها ظاهراً للعيان بشكل واضح، ولكنها من أجل ان تحصل على المكان أظهرت بطنها بشكل مبالغ فيه فرأفوا بحالها ثم ساعدوها على الصعود. ومن مكانها في العربة أصبحت شاهدة على النهاية الأليمة لحكم العثمانيين لسورية.

لم يتحرك القطار إلا في الليل. كان الهاربون يستعجلون القائمين على المحطة ليتحرك القطار في أسرع وقت، فالشائعات كانت تتوارد بأسرع من البرق، وكلها تنبئ بأسوأ العواقب للمتخلفين عن الهرب، فالجيوش العدوة أصبحت على مشارف حلب. قالوا في البداية إنها أصبحت في خان السبل، ثم وفي المساء ورد خبر يؤكد بأن الانكليز احتلوا الشيخ سعيد على مشارف حلب، حينها اضطرب الخلق وبكت النساء، أما الأم فلم تكن مهتمة كثيراً، فهي عربية وكانت تريد الهرب إلى تركيا قبل ان تغلق الحدود ليكون عندها أمل في أن تجد ذلك الضابط التركي، اليوزباشي جودت، الذي كان قد زرع الجنين في بطنها قبل ان يستدعوه على عجل للالتحاق بوحدته في مكان ما على الجبهة الجنوبية.

في العربة، وبعد أن اطمأن الناس إلى ان الحظ قد حالفهم، وهاهو القطار يتحرك مقترباً بهم إلى شط الأمان ( كان القطار يتحرك ببطء شديد بسبب حمولته الزائدة من البشر) اكتشف الرجال جمال الأم. أصبحت العيون تنغرز فيها، تتابع كل حركة تأتي بها. عيون الرجال والنساء معاً. عيون الرجال الشهوانية وعيون النساء المليئة حقداً وغيرة. لم يدعوها تفكر بحرية في ضابطها الجميل الذي عشقته فأعطته أغلى ما عندها. كان عليها طوال الوقت ان تخفي حرجها، وبسبب اكتظاظ العربة كان عليها ان تستمر في دفع الرجال الذين أرادوا الالتصاق بها في عتمة الليل ونفث زفيرهم الحار في وجهها. ولكن عند الفجر أنقذها الجيش من جحيم الرجال، فعندما توقف القطار في محطة ميدان أكبس للتزود بالماء والحطب، أتاهم الأمر الذي لا عودة عنه، الأمر الفظيع والقاسي بلا رحمة والذي رفعوا أصوات الاستنكار بسببه وهم يبكون أو يتباكون ثم صمتوا وأذعنوا له.. على المدنيين ان ينزلوا من القطار ويتابعوا السفر مشياً على الأقدام، حتى يتسنى للجيش نقل جرحاه ومعداته بسرعة إلى ما خلف الحدود. وبينما تابع الجميع السفر كيفما شاءوا إلى الأراضي التركية قررت الأم المكوث في ميدان أكبس.

كانت محطة القرية الشريان الرئيسي الذي ستمر من خلاله كل الجيوش المنسحبة إلى الداخل التركي. لهذا السبب ظلت على الرصيف تنتظر القطار الذي يحمل حبيبها اليوزباشي جودت. كانت كلما وصل قطار جديد من الجنوب تنهض وتقف حتى يتمكن من رؤيتها في حال كان منسحباً في ذلك القطار. مرت عليها أيام وهي على هذه الحال، ولكن دون جدوى، ففي نهاية الأمر وصل الجنود الانكليز يطاردون الأتراك المنسحبين ويقتلونهم، عندها عرفت أنها فقدت اليوزباشي إلى الأبد، وبدلاً من أن تعود إلى حلب (كان هذا الأمر مستحيلاً أيضاً) قررت استئجار بيت في القرية والبقاء فيها حتى تحين ساعة الولادة.

لكي يقبل أهل القرية العيش معهم، اخترعت الأم قصة أخرى..حياة ثانية عاشتها في خيالها. لم تقل لهم الحقيقة التي دفنتها في سرها إلى الأبد، بل جعلتهم يعتقدون أنها كانت زوجة اليوزباشي جودت وأن أهلها قد ماتوا جميعاً في الحرب وأنها كانت مسافرة إلى تركيا للبحث عن زوجها الضابط وعن أهله ولكن مجيء الانكليز واستمرار الحرب بينهم وبين الأتراك على طول الحدود منعاها من ذلك. كانت الأم جميلة، ناعمة لم ير أهل القرية امرأة بهذا الجمال حتى ولا التركيات المترفات اللواتي مررن بالقرية أثناء هربهن إلى استنبول. كانت براءة وجهها وتعابيرها اللذيذة ودموعها تقنع الصخر الأصم فكيف بقرويين بسطاء، والذي أقنعهم أكثر بصدقها هو طريقة حياتها بعد أن ولدت طفلة جميلة أسمتها وداد وجعلت تعمل بصمت وجلد في أي عمل متوفر من أجل إطعامها وتربيتها. ولم تشعر القرية إلا بوداد وقد أصبحت صبية جميلة تشبه أمها في رقتها وبراءتها وسحرها. حاول بعض الشباب التقرب من الأم لخطبة وداد ولكنها كانت ترفض تزويجها، حتى إنها لم تسمح لأحد من الاقتراب من بيتها اللهم إلا لذلك الشاب المجذوب عبدو السنكة بعد ان اطمأنت اليه. كانت تزرع باستمرار (ولسبب غير مفهوم) الخوف من الرجال في أعماق ابنتها خارقة الجمال، فشبت وهي تخافهم وتتحاشاهم. وعندما مرضت الأم بمرض السل الرهيب وعرفت انها ستموت قريباً صارت تحدثها عن المدينة وحياة المدينة وعن بعض معارفها في حلب. هذه المرة زرعت فيها حب المدينة. كانت تريدها ان ترحل إلى حلب بعد وفاتها، ولهذا الأمر أخبرتها أن لها صديقة عزيزة أسمها الخوجة بهيرة، وان عليها أن ترحل اليها بعد وفاتها حاملة منها رسالة توصية، وطلبت منها أن تنسى إسمها مؤقتاً ريثما تفارق الحياة، وان عليها أن لاتذكر إسم الخوجة أمام أحد من أهل القرية، وأن لا تسألها أي سؤال يتعلق بها.

استدار سائق العربة ونظر خلسة إلى وجه الفتاة وقال في نفسه ما شاء الله وكان. كانت وداد تتفرج على طرقات المدينة بحزن مشوب بدهشة. كان كل شارع أو منعطف أو مبنى يذكرها بأمها. كانت تتصورها تسير متأبطة ذراع ضابطها التركي، أو تقطع الشارع أمام العربة بمفردها وهي تبحث في وجوه الرجال الذين تحولوا جميعاً إلى ضباط أتراك باحثة عن رجلها الذي ضيعته الحرب العامة. ولكن لماذا رفضت أمها النزول إلى حلب؟ لماذا لم ترافقها واكتفت بوصفها لها وزرع حبها لها في قلبها؟ كل شيء غامض، ماتت أمها وتركت الف سؤال يحير وداد. من هي الخوجة بهيرة.. ولماذا أبقت صداقتهما سراً غامضاً.. ولماذا أرادتها أن ترحل اليها بعد وفاتها؟ كما قلنا، فقد كان كل شيء غامضاً في عقل فتاتنا الجميلة مثل تضاريس هذه المدينة العتيقة.

* * * * *