Print

رواية حالة شغف الفصل الأول - 2

كيف ظهرت وداد البريئة في صورة مع المفوض السامي

قال الشيخ.. كان ذلك في 27 أيلول 1936...

كان القطار يقترب متمهلاً من محطة الشام وهو يطلق صفارته دون انقطاع.

لم تنهض وداد لتنظر من النافذة إلى الخارج كما فعل معظم الركاب. كانت تتشبث بالمقعد تجاهد لكي لا تلتقي عيناها بعيني الرجل الذي جلس في المقعد المقابل إلى جانب باب المقصورة لا يفعل شيئاً سوى النظر إليها. تمنت لو ينهض هو أيضاً فيخرج رأسه من إحدى النوافذ في الممر الضيق لقطار الشرق السريع. تردد رمشاها ثم نظرت مستطلعة. تمنت لو أنه حوّل عينيه عنها إلى السماء، إلى المباني الأولى للمدينة، إلى الأشجار التي أصبحت بطيئة في هروبها إلى الخلف أو إلى صورة برج أيفل المعلقة على خشب المقصورة فوق رأسها. ولكنه كان يتابع النظر إليها وفي عينيه شيء مخيف لطالما قصدت أمها تنبيهها منه حين كانت تنصحها بالاحتراز من الرجال. كان سيرسم ابتسامة لولا أنها انكمشت أكثر والتصقت بزاوية النافذة وعادت للنظر إلى يديها المركونتين في حجرها.

ألغت وظيفة البصر وأصبحت تتواصل مع ما كان يجري بواسطة أذنيها فقط. كان القطار يتباطأ بينما استمر في إطلاق صفارته. من الممر كانت تسمع تعليقات الركاب ثم بعض الهتافات الحماسية، فالقطار يحمل بعض الرجال المهمين، ومن المفترض أنه سيجري لهم استقبال حافل. تمنت لو تنهض وتنظر لترى هل هذا صحيح؟ ولكن الرجل سيستمر في النظر إليها وعندها سيغرز نظراته في مؤخرتها. إذن عليها المكوث هكذا حتى يتوقف القطار، عندها سيتسنى لها الهرب. ولكن ماذا لو فرغ القطار من الركاب إلا هما؟ أصابتها رعدة وشعرت بسخونة في وجهها. كانت تعيش لحظات رعب، ذات الرعب الذي كانت تحسه حين كانت أمها تسرد عليها في ليالي البرق والرعد ماذا يمكن أن يفعله الرجال بفتاة صغيرة. الخوف كان بسبب نصائح الأم المريضة أما الآن فهو بسبب شيء حقيقي، بسبب رجل جالس أمامها ينظر اليها بطريقة واحدة في غفلة عن جميع الركاب الذين كانوا يتسلون بالنظر إلى الخارج ويطلقون الهتافات الحماسية ضد فرنسا ويحيون الوفد. أي وفد؟... وما هو الوفد؟ ولماذا يحتفون به؟ ومن أين هو قادم؟

انتظرت على رصيف محطة ميدان أكبس أكثر من ثلاث ساعات قبل ان يصل القطار القادم من استنبول في طريقه إلى حلب. كانوا قد أرسلوا لوداعها عبدو السنكة، وهو ولد مجذوب بنصف عقل أطلقوا عليه أسم السنكة لأنه اجتاز أحد الأيام الحدود التركية (تقع ميدان أكبس على الحدود التركية) فطعنه أحد الجنود الاتراك بالسنكة فأصبح يعرج وصار مضحكاً أكثر، وهناك عاهة ثالثة تجعله مضحكاً جداً، ففي صف أسنانه العلوية الامامية فجوة كبيرة تجعله يصفر دون قصد حين يتكلم. وقد كانت وداد تتسلى دائماً بعبدو السنكة حين يأتي إلى بيتهم، قبل ان تموت أمها، وكان يحرص على زيارتهم لخدمتهما وتسلية وداد، تلك الفتاة اللذيذة التي تضحك وتضحك كلما تحرك أو ركض أو تكلم، فيشعر بالغبطة ويروح، مستلقياً على ظهره، يضحك محركاً يديه وساقيه إلى الأعلى. كان يلمسها في بعض الأحيان بينما هي ساهية أو مغشي عليها من الضحك فيشعر برجفة غريبة تجعله سعيداً طوال يومه ويفقد جزءاً من حيويته ويفضل بعدها الركون في الظل تحت إحدى الأشجار. هي لم تكن تفهم معنى تلك اللمسات وماذا يحصل له، وعندما رآه يوماً إمام المسجد الشيخ عبد الصبور نهره ثم لحق به ممسكاً غصن رمان رفيعاً يريد تأديبه. لم تفهم حينها وداد سبب غضب إمام المسجد ومؤذنه حتى إنها كرهت الشيخ، وعندما جلس هذا الشيخ إلى جانب فراش أمها المريضة يهمس لها وهو يتطلع إلى وداد حسبت أنه يشكوها إليها لأنها تكرهه، هكذا حسبت، وعندما أصبحت في المساء وحيدة معها أعادت الأم على مسامع الابنة تحذيراتها لها من الرجال ولكن وداد لم تكن تحسب عبدو السنكة منهم، ولم تكن تشعر بالخوف منه على الإطلاق.

ثلاث ساعات في انتظار قطار الشرق السريع قضاها عبدو السنكة وهو يبكي لأنه سيفقد وداد إلى الأبد، فهو يعلم، رغم عقله القاصر، أن أمها قد أوصت برحيل ابنتها إلى حلب بعد موتها، وقد رأى الشيخ عبد الصبور وهو يعطيها ظرفاً فيه رسالة وعليه العنوان وبعض النقود ثم أرسله معها كيلا تنتظر وحيدة، ذلك القطار الذي يتأخر في بعض المرات أكثر مما تحتمله فتاة في الثامنة عشرة. وعوضاً عن مواساتها وجعلها تنسى خوفها بإضحاكها كما اعتاد أن يفعل (كانت خائفة مما يخبئه لها سفرها بالقطار وحيدة للمرة الأولى في حياتها) كانت وداد هي التي تواسيه وتتحدث معه طوال الوقت تكذب عليه أنها سترجع سريعاً، وهي تعلم جيداً أنها لن تعود. وعندما وصل القطار يسبقه صفيره الطويل الممتد، تغير حال عبدو وصار يضحك وينط فرحاً من منظر القطار المزينة بعض عرباته بالأعلام واللافتات، مما أضفى عليه بعض البهجة طيرت النصف الباقي من عقل عبدو السنكة. والآن أصبحت هي تبكي وهو يضحك لاهياً عنها، وبصعوبة استطاعت ان تمسك به وتجعله يهدأ ثم ضغطت على يده بقوة وجرته إلى إحدى العربات غير المزينة وعند بابها أمسكت بيده بكلتا يديها تشجع نفسها على الصعود ومن ثم الابتعاد عن القرية التي ولدت فيها ولم تغادرها إلا اليوم.

صعدت إلى العربة وبحثت لها عن مكان فارغ في إحدى المقصورات. وبعد ان ركنت حقيبتها في رف الامتعة جلست. كان عبدو واقفاً تحت النافذة يتحسس يده التي أمسكت بها قبل قليل. كان يتحسس يده وينظر إلى وداد الجالسة خلف النافذة. كانت دموعها ترسم خطين على وجنتيها، وقبل ان ينطلق القطار شعر عبدو انه أكثر الناس سعادة فراح ينط وهو يضحك ليجعل فتاته تضحك ولكنها ظلت تبكي حتى انطلق القطار، وعندما ابتعد عبدو السنكة ومبنى المحطة كثيراً مسحت دموعها وابعدت عينيها عن النافذة لتلتقي بعيني ذلك الرجل الذي قضى الوقت كله ينظر اليها دون ان يجعل باقي المسافرين في المقصورة يشتبهون به.

انتبهت إلى أصوات جديدة، اختلطت بنعومة بصفارة القطار وهتافات المسافرين وصليل الحديد على الحديد. كانت أصوات الموسيقى تقترب وتعلو، حينها شعرت بإلفة مفاجئة تجاه المحطة التي سيتوقف عندها القطار. ودون أن تنظر إلى الرجل، وبسرعة، أدارت وجهها باتجاه النافذة. كان هناك حشد هائل من البشر قدموا لاستقبال الوفد القادم بالقطار. كانوا يهتفون فرحين، يرفعون اللافتات والاعلام ويلوحون بأيديهم باتجاه العربات الأولى، بينما راحت فرقة موسيقية من الدرك تعزف المارشات العسكرية. ابتسمت دون أن تشعر، فقد أفرحها الاستقبال الحاشد.

- إنهم يستقبلون الوفد..

استدارت بشكل عفوي وأثر انفعالها مرسوم على وجهها. كان الرجل يوجه اليها الحديث وقد اقترب هو أيضاً من النافذة. في تلك اللحظة دخل المسافرون لالتقاط حقائبهم وهم يثرثرون ويضجون، وفكرت بان تنهض هي أيضاً ولكنها كانت ستحتك بالرجل ان نهضت فظلت على جلوسها، ولأول مرة نظرت في وجهه هكذا عن قرب. كانت عيناه محمرتين، ينظر في عينيها كأنه يخترقهما. كأنه يتفرج على شيء لا يملكه أحد سواها. حينها شعرت أن عليها أن تهرب، أصبح الأمر خطيراً. تململت في مقعدها ونظرت اليه برجاء أن يتركها تنهض وترحل، ولكنه، مستفيداً من كونهما أصبحا وحيدين في المقصورة، مد يده نحو وجهها وراح يتلمسه. ارتدت إلى الوراء وصارت ترتجف بينما كانت الموسيقى تعلو أكثر وشعرت بأنها إن صرخت فلن يسمعها أحد فوجدت نفسها ترجوه:

- الله يخليك. ولكن يده ظلت تجول على خديها وذقنها وانفها، لا تهدأ، توزع دفءها على كل بشرة وجهها. ولم تجد مناصاً من دفعه والنهوض فوقع على المقعد الآخر فالتقطت حقيبتها وخرجت. وعندما نظرت لتعرف إن كان سيلحقها وجدته جالساً يبتسم لها بنشوة، وخافت ان يلحق بها فراحت تركض تبحث عن وسيلة لتنزل بها إلى رصيف المحطة، وقد كان ذلك من سابع المستحيلات فقد كان الجمهور قد التصق بالقطار وسد المنافذ على الجانبين فاضطرت إلى الانتقال من عربة إلى أخرى علها تجد مخرجاً ممكناً.

كانت جموع الناس تتموج ذهاباً واياباً بينما استمرت الفرقة الموسيقية عزفها للمارشات العسكرية، حتى ضاق رصيف المحطة بهم، واضطر بعضهم إلى تسلق القطار وتراكضوا على سقفه ليصلوا إلى العربة التي سينزل منها الوفد ليطلوا عليه من الأعلى. وعندما أطل رئيس الوفد (وكان بالمناسبة هاشم الاتاسي) سمع هدير قوي وحاول المستقبلون الإفلات من رجال الدرك الفرنسيين للاقتراب من العربة، ولكن الأوامر كانت مشددة وكان على الدرك إبقاء الناس بعيداً عن العربة التي سينزل منها الوفد كي يتسنى للمفوض السامي المسيودو مارتيل الاقتراب ومصافحة الوطنيينالعائدين من باريس.

اقترب المفوض يرفل ببذلته البيضاء والتي علق على صدرها نياشينه العديدة وأخذ هاشم الاتاسي بالأحضان حتى إنه شمه عن عمد ليكتشف فيه رائحة خريف مدينة باريس، ثم صافح باقي أعضاء الوفد الذين كانوا ينزلون من العربة الواحد بعد الآخر وكانوا ينتظرون على الدرجات ريثما يأتي دورهم للمصافحة أو العناق، وكلما ظهر أحدهم على درجات العربة كان يستقبل بعاصفة من التصفيق وبكثير من الهتافات من الجمهور المحتشد. ورغم أنهم كانوا قد قضوا ستة أيام في هذا القطار لم يظهر عليهم التعب والارهاق من الجلوس الطويل والملل لأنهم كانوا قد جهزوا أنفسهم قبل الوصول إلى محطة حلب فحلقوا ذقونهم وغسلوا وجوههم وبدلوا ثيابهم فكان ظهورهم مؤثراً حتى إن العديد من المستقبلين بكى تأثراً. ثم توسطهم سعادة المفوض السامي لالتقاط صورة تذكارية، وقد روعي أن تكون الصورة معبرة أكثر تشرح الوسيلة التي أقلت الوفد من باريس العظيمة إلى حلب المستعمرة فوقفوا بحيث تظهر عربة القطار في الخلفية، وفي اللحظة التي برق فيها اللامع الصناعي اللازم لوضوح الصورة ظهرت وداد حاملة حقيبتها على سلم العربة فظهرت بالتالي في الصورة التذكارية التي وزعت على جميع الصحف المحلية وصحف العاصمة (ظهرت وداد ذات الوجه البريء فوق رأس دو مارتيل) وهناك من أقسم أنه رآها على الصفحة الأولى لإحدى الصحف الباريسية، كما كبّرت الصورة وعلقت على جدران مكاتب المفوض السامي والكتلة الوطنية وبعض بيوت أعضاء الوفد.

عندما شاهدها الجمهور تقف بخوف وبراءة على سلم العربة، راحت الأصوات تخفت ثم عم الصمت، ولم يعد يسمع أي صوت سوى صوت موسيقى المارشات حيث كان قائد الفرقة الشاويش صاموئيل يحرك يديه ليقودها وقد أدار رأسه باتجاه وداد، ولم يكن أعضاء الفرقة بأحسن منه، فقد كانوا هم بدورهم يعزفون وهم يتطلعون إلى تلك القروية التي نبقت من داخل عربة الوفد تحمل حقيبتها العتيقة وتضع على رأسها منديلاً لتخفي به شعرها عن عيون رجال المدينة. حتى الوزراء وأعيان المدينة الذين جاءوا لاستقبال الوفد بهتوا لظهور القروية رائعة الجمال، ولكن المفتي كان الوحيد الذي حاول غض نظره بعيداً عنها ولكنه لم يستطع، فقد حسب أنها ربما تكون جنية أو ملاكاً نزل من السماء ليحرس الوفد أثناء ترحاله فلذلك لابأس من النظر إليها. وقد استغرب سعادة المفوض السامي ذلك الصمت فاستدار إلى الخلف، وقد لزمه بعض الوقت ليعي المسالة، وتساءل في ذهنه عن سبب وجود هذه الفتاة هنا، وبسبب نظراته تلك (ونظرات أعضاء الوفد أيضاً) زاد ارتباك وداد وصار لزاماً عليها أن تشرح الموضوع فقالت بتردد وبصوت خافت:

- لم أجد مكاناً آخر أنزل منه..

لم يفهم المفوض السامي في بادئ الأمر ما قالته له الفتاة فظل ينظر اليها كالأبله، ولكن عندما انفجر الجميع بالضحك لطرافة الموقف (الحلبيون لديهم حس للفكاهة رغم ما يشاع عنهم) اقتنع دو مارتيل ان في الأمر مصادفة فأهمل القروية التي سلبت بجمالها لب المستقبلين، ودعا الوفد للتحرك فعادت الهتافات وعلت من جديد موسيقى المارشات. وشق الدرك الفرنسيون طريقاً للوفد بين الحشود التي عادت إلى التدافع، فكل واحد يريد القاء نظرة إلى رئيس الكتلة الوطنية هاشم الاتاسي الذي كان يرأس الوفد، أو إلى سعد الله الجابري ابن المدينة والسياسي الأنيق.. وهناك من كان محتاراً إلى من ينظر فمن النادر ان يجتمع في مكان واحد وفي زمان واحد كل هذا العدد من الوطنيين ورجالات السياسة السوريين إلى جانب جنرالات الحكم الاستعماري.

خرجوا من المحطة يسبقهم المفوض السامي الذي ضاقت بدلته البيضاء على جسده البدين، يتبعهم الناس والفرقة الموسيقية التي كانت تعزف لحناً عسكرياً رشيقاً. ولم يمر وقت طويل حتى كانت وداد تقف وحيدة على الرصيف وإلى جانبها حقيبتها وقد هدأ اضطرابها. تقف وحيدة إلى جانب عربة القطار بينما القاطرة مستمرة بنفث بخارها الأبيض اللطيف. ولكنها كانت مشوشة الذهن مما حصل معها، فهي لم تكن في يوم من الأيام تحلم بمثل هذا الاستقبال في هذه المدينة الواسعة التي يسمونها حلب، والتي طالما حذرتها أمها المتوفاة من رجالها. ولكن.. لو تعلم في قبرها في ميدان أكبس كيف استقبلها الرجال في محطة القطارات، فهل كانت ستغير رأيها بهم يا ترى؟ رفعت وداد كتفيها تجيب نفسها بصمت ثم أخرجت الظرف الذي كتب عليه عنوان من يجب ان ترحل اليهم ثم التقطت حقيبتها وخرجت من المحطة. وقفت تنتظر عربة لتستقلها كما أوصاها بذلك إمام مسجد ميدان أكبس الشيخ عبد الصبور، ولكن أية عربة في هذا الوقت؟ فقد فرغت الساحة والشوارع من الناس الذين تراهم الآن من بعيد يسيرون في حشد هائل خلف العربات والسيارات التي تنقل الوفد والمستقبلين الرسميين، وهتافاتهم تختلط بإيقاع المارش العسكري.

* * * * *