Print

رواية السرطان - 1

- إنه مشغول جدا. لا وقت لديه. اختصاصه صعب ومربح.

- ولكنه جاء ليخطبك.

- كلا، فقد خطبتني والدته. عرضت علي صورته وشهادته وصورة عن جواز سفره، أعجبني شكله. وعندما وافقت أرسلت له صورتي. الأصح أنني أرسلت له ألبوم صور كامل.

قلت وعيناي في قحف رأسي:

- وهل أعجبته؟

أطرقت الشابة، إنها خجولة. ظهر جمالها أكثر من المعتاد. قالت وقد امتقع لونها خجلا:

- أرسل إلي رسالة يقول فيها إنه دهش لجمالي، وطلب شيئا آخر.

قلت بلهفة:

- وماذا طلب؟

- طلب شريط فيديو، فاستأجر والدي مصورة فيديو للأعراس، فجاءت إلى بيتنا مع عدتها وسحبت لي شريطا طوله مائة وثمانون دقيقة.

- يا إلهي... لقد أصبحت فعلا ممثلة سينمائية.!

بانت الأسنان اللؤلؤية مرة أخرى، رفعت كتفيها وذراعيها بحركة دالة. على بعد أمتار كان يقف رجل وامرأة وصبي. فهمت من الإشارات أنهم والداها وأخوها. جاءوا لوداعها. صافحتني مرة أخرى وهي ترقب لوحة الإقلاع. هاهي تدور لتكتب آير فرانس. هيا إذن! إنه ينتظرها في مطار شارل ديغول. هل سيتعرف عليها وتتعرف عليه؟. ربما طلب من الدجاجة هناك أن تذيع ما يلي: فلانة الفلانية إلى مكتب الطيران الفلاني. وهناك سيتقدم إليها بخجل ليسألها ألست أنت؟، فتحمر وتتعرق وتنفخ: ألست أنت. يا له من امتحان. هل سيعجبها؟ هل ستعجبه؟. تمنيت لهما التوفيق. سارت باتجاه أهلها وهي تخطو كراقصة باليه متفوقة من الدرجة الأولى في مسرح البولشوي.

جلست ورحت أراقبها وهي تهرع مع أبيها لتنظيم أمور السفر والجوازات والجمارك. بعد قليل كان فستانها قد تشرب رطلا كاملا من العرق. عروس حديثة، عروس معبأة للتصدير.

ما علاقتي بهذه الأمور؟ لقد امتقع لوني ورحت أشتهي تدخين سيجارة. الأطباء منعوني، لعنة الله عليهم. أخبروني في المستشفى الملكي أنني مريض. أنت مريض يا عبد الله. يا عبد الله أنت مريض. استنتجوا ذلك من التحاليل الكثيرة التي أجروها علي. وكأنني فأر تجارب، أخذوا مني سنتيمات عديدة من الدماء، حتى أصبحت يداي كالمصفاة، وأخيرا وضعوا النتائج في الكومب ثم ضغط الموظف زرا أصفر اللون مثل لون بشرتي، فإذ باسم المرض يكتب على شاشة زرقاء اللون. ماذا كتب الكومب هذا؟

أعوذ بالله من هذه الذكريات. إني أرفض التذكر، فأنا أشعر بهبّة ساخنة تجتاح رأسي وجسدي كله. كيف تخونني قواي الآن، لماذا أرهق نفسي؟ علي أن أنفذ تعليمات الأطباء والكومب وكفى. قالوا لي إنه يجب علي أن أجتاز دورة تثقيفية، مدتها هي المدة الباقية من حياتي. ولماذا هذه الدورة؟ ماذا بقي علي أن أعرفه قبل أن تخرج روحي من جسدي؟ تصوروا هذا وتمتعوا!. نعم، أنتم تتمتعون الآن بما أكتب، بينما ذلك الوحش الذي اسمه سرطان الدم ينهي مستقبلي في أشهر معدودات. يحرق دين هذه الصنعة، فسرطان الدم لم يجد غيري ليلعب لعبته معه.

إذن، الكومب اكتشف المرض. حالة تكنولوجية. موت تكنولوجي. والآنسة سحبت فيلما بمائة وثمانين دقيقة. ثم أرسلت الفيلم إلى فرنسا على إحدى طائرات الآير فرانس، ليشاهدها الخطيب الأصيل بعد أن شاهدها الخطيب الوكيل، بعد أن تفحصتها أم الخطيب وأبو الخطيب. ماذا كنت أقول؟ نعم… أطباء وكومبيوتر المستشفى الملكي في بوينس آيرس اكتشفوا المرض الذي سيجعلني أموت في الستين. وبعد أن تمالكت أعصابي سألت إن كان جهازهم يستطيع أن يحدد موعد تسليم الأمانة. ضرب ابن الكلب بأصابعه العشرة وكأنه يضرب على الآلة الكاتبة ثم تطلع إلي بحنو وكأنه يريد رفع معنوياتي. أعاد ضغط الزر الأصفر ثم قرأ ما كتب على الشاشة:

- مائة يوم يا سنيور!

مائة يوم. مائة إصبع وسطى. مائة خازوق منجر من خشب صلد. عد يا عبد الله ! 99- 98- 97.. لعنة الله على مخترع الأرقام، وكأنني مكوك فضاء سينطلق بعد أن ينتهي العد التنازلي، 96...

ترم.. ترم.. إذاعة المطار، الدجاجة تقوقئ من جديد:

- كاك.. كاك.. كاك. الرحلة رقم 96 ستتم في موعدها المحدد شكرا. باضت أخيرا. الرقم 96 والموعد المحدد.. و..

أنا لا أستطيع أن أفهم سر مذيعات المطارات (عفوا ولكن علي أن أحدد موقفي بوضوح منهن) وكأن كل الحكومات في العالم أجمع، تصر على مواصفات معينة حين يتم تعيينهن. صوت رفيع ودم بارد، هذه هي المواصفات، يقلبون الدنيا رأسا على عقب بحثا عمن لها تلك الإمكانيات، لا لشيء إلا لكي يثيروا أعصابي.

لقد قررت أن أنتظر موعد الغداء لأتناوله في المطار ومن ثم أرحل. إلا أن بعض الأشياء تجعل مكوثي هنا مستحيلا، ثم علي أن أفكر، وكيف يمكن أن أفكر بهدوء؟ قولوا لي كيف! اتخذت قراري، لن أفكر.. وليحصل ما يحصل!

التقطت حقيبة السامسونايت. أدرت الأرقام حتى أصبحت تشير إلى رقمي النحس. (0100). هذا هو الرقم السري الذي تنفتح عنده الحقيبة، وهذا هو الرقم الذي ستنفتح الأرض عنده وتبتلعني. أخرجت كروز السجائر الأمريكية وفتحته. أخذت منه علبة ثم أعدته. أغلقت الحقيبة ثم أدرت الأرقام من جديد على رقم آخر. أعدت الحقيبة إلى مكانها على المقعد الجلدي واستنتجت أن المقعد مستورد. نصدر الزوجات ونستورد المقاعد. أخرجت سيجارة ووضعتها بحنق في فمي. لقد قررت أن أعود إلى التدخين. ما فائدة نصائح الأطباء؟ عليك أن تتوقف عن التدخين يا سنيور، جسدك يحتاج إلى الراحة، إن أنت أقلعت عن السجائر، ستعيش مائة يوم ويوم. أي يوما زائدا. سأشعل السيجارة وسأهدي هذا اليوم لموظف الكومب.

ظللت خمس دقائق أبحث عن كبريت، فرصة ذهبية كي لا أتذكر ولا أفكر. ورغم ذلك مرقت في ذهني الفتاة التي زوجت بالفيديو. كم كانت سعيدة، لم تكن خائفة، وهذا ما حيرني فعلا. في أي بوز صوروا الفتاة؟ بوز واحد لمدة مائة وثمانين دقيقة؟ هذا لا يمكن. بل إنها صورت وهي تأكل وتشرب وهي تمشي وهي تغني، وهي تنشد الشعر (هذا مستحيل) صوروها وهي تجلي الصحون، وهي تمسح الأرض ثم وهي نائمة. بدلت فساتين عديدة، سرحت شعرها بأشكال مختلفة. صوروها وجهيا ثم صوروا جانبيا وأخيرا وهي ترسل قبلة هوائية. هأ.. هأ.. هأ.. إلا أنهم لم يصوروها والعرق يزخ من جسدها فيتشربه فستانها حتى البلل. ما لك ولها يا عبد الله؟ اتركها لعنة الله عليك! يا لك من منحوس. أنا لا أسخر من الفتاة، كما أرجو أن أفهم على أنني لست ضد الزواج، فأنا من أكثر المشجعين على الزواج، حتى أنني تزوجت ثلاث مرات، وهذا ليس بشيء شاذ. طلقت مرتين وترملت مرة واحدة. المجموع ثلاث، وحينما ماتت زوجتي الأخيرة (وكان ذلك قبل عشر سنوات) أقلعت عن هذه العادة، رغم أنني كما قلت من مشجعي التزاوج والتراحم والتقارب. والإقلاع عن الزواج وأنت في الخمسين فكرة هائلة جدا، وقد جربتها، فقد عرضت علي إحدى الأرامل أن نتزوج. في بوينس آيرس تستطيع أن تجد الكثيرات منهن. أرامل ذقن طعم السرير، سرير الزوجية وغير الزوجية. الزوج الشرعي وغير الشرعي. وبما أنني قد قررت فقد رفضت (أنا حر طبعا) المرأة تريد تأمين مستقبلها، هذا من حقها، ولكن أن تعرض عليك امرأة الزواج وأن ترفض فهذا شيء هائل. أنا فعلتها، أرجوكم ألاّ تحسدوني. ومن ذاك الذي سيحسدني لأن أرملة عرضت علي الزواج رغم أنني كنت أبطحها على سريري ثلاث مرات في الأسبوع؟ (على فكرة، كانت المرأة تملك رصيدا بمبلغ مليون دولار، والآن، بعد أن عرفتم ذلك هل ستحسدونني أم تسمونني حمارا!).

السيجارة الأولى جعلتني أشعر بدوار خفيف. أخرجت الثانية وأشعلتها من عقب الأولى، وأنا أرقب لوحة الإقلاع والهبوط. كانت الشرائح المعدنية السوداء تدور على نفسها بالتناوب، ثم تظهر الكلمات والمواعيد والأرقام. شيء جميل أليس كذلك؟ كيف يصنعون هذه الأشياء؟ سويسرا بلد العجائب. صنعت في سويسرا (أوميغا). كيف يعرضون منتجاتهم هذه في الدكاكين؟ كيف وصلت هذه اللوحة إلى مطارنا؟ ألا يمكن أن يصنعوا لوحة تناسب الزخرفة الشرقية لمطاراتنا؟

على كل، كنت أرقب الناس، وأنا أدخن السيجارة الثانية. لقد طلقت نهائيا نصائح الأطباء، وها هي السيجارة الثانية تبدو شهية جدا، حتى أنني بت أشتهي كأسا من النبيذ. ولكن علي أن أعرف حدودي. الخمرة ممنوعة بتاتا. الأدوية التي أستعملها والتي أفردت مكانا واسعا لها في حقيبتي لا يمكن تناولها مع الخمرة، وإلا انتهيت قبل المائة يوم المعهودة. وماذا في ذلك؟.. مائة أو خمسين أو حتى عشرين... لا فرق. إن هذه الأرقام أمست متشابهة في ذهني،.. كلا، فأنا أحتاج إلى الأيام الباقيات، ولماذا عدت إلى الوطن إذن؟ ولماذا رفضت المكوث في المستشفى الملكي الذي يديره السسنيور كومب؟

قالوا لي يا سنيور عبد الله، سوف نعطيك جناحا جيدا يشرف على حديقة المستشفى. حديقة ممتلئة بأشجار ونباتات وزهور خط الاستواء. أمريكا اللاتينية رائعة بهذه النباتات، لها أشكال غير عادية كرسومات السورياليين. قالوا لي: يا سنيور عبد الله، إن جناح السرطانات عندنا لا مثيل له في كل أمريكا اللاتينية، هنا يموت المريض بهدوء وانشراح، ولكي يموت كذلك عليه أن يتمتع بنفسية معينة نؤمنها له من خلال دورات تثقيفية نوعية تجعل المريض يستقبل الموت بفرح وسرور. دورات تثقيفية كاثوليكية ومورفينية. دورات بإشراف كومبيوتر عصري جدا. هذا غير الجناح المجهز بأحدث التقنيات الحديثة للتسلية بحيث ينسى المريض مرضه، حتى أنك تستطيع (يا سنيور عبد الله) أن تلعب مع الكومب جميع الألعاب من كرة القدم إلى حرب النجوم الألكترونية.

- ولكنني رفضت!

- ولماذا رفضت؟

- وهل سأقول لك كل شيء؟ يا لك من لجوج متطفل، ثرثار، حقير… عفوا.. عفوا. اعتذرت للرجل الذي كان يحمل ثلاث حقائب دفعة واحدة. حسب أنني أشتمه. ولماذا أشتم رجلا أصلع؟.. يبدو لي أنني أكلم نفسي بصوت عال. حدث ذلك معي أول مرة حينما حددوا لي المائة يوم. لا أعرف لماذا يحدث معي ذلك. كنت في الماضي أحسب الذين يتكلمون مع أنفسهم بصوت عال، ويشتمونها أيضا، إنهم مجانين، ولكنني الآن تأكدت مائة بالمائة أنهم ليسوا كذلك، فأنا مثلا لم أجن بعد، ومع ذلك أكلم نفسي. هذا شيء طبيعي. إلا أنك يا عبد الله، من المستحسن أن تتكلم بهدوء وألا تشتم نفسك، فقد تقع في مشكل مع أحد المارة فيجعك رأسك. قلت لهم أنا لست كاثوليكيا، فقالوا لي إن الله هو رب جميع المؤمنين، فقلت لهم هذا صحيح، ولا أحتاج إلى السنيور كومب العزيز ليفهمني ذلك. فقالوا أنت رجل بسيط يا سنيور، إن دوراتنا وصلت إلى مرحلة عالية من الجودة بحيث تجعلك تكره الحياة، وتكره الدنيا في ثلاثين يوما، إنها تجعلك تتمنى الموت فورا. فقلت لهم وكيف ذلك قالوا:

- سنجعلك تطلع على نتائج أي حرب نووية، وسنجعلك ترى بأم عينك المجاعات في إفريقيا والجرائم في نيويورك وحروب السيخ والهندوس في الهند وحرب السلفادور والهندوراس من أجل لعبة كرة القدم. سنقدم لك إحصائيات أكيدة عما يلي: حرب لبنان، وعن عدد الفلسطينيين الذين أبيدوا وعن نتائج حرب البيافرا في نيجيريا، عن عدد اليساريين الذين أعدموا في إندونيسيا والتشيلي.. عن.. عن.. عن... وأخيرا عن خطط السي آي إي في العالم...

رفضت حينها بشدة. رفضت رغم أن ضغطي ارتفع وتورد وجهي على غير عادته منذ بداية مرضي وحتى الآن.

رفضت أيضا لسبب آخر، غير السبب الأول الذي لم أقله بعد. كانوا سيسجنونني في غرفة بيضاء ليحقنوني بمستحضرات اليود المشع التي وإن أخرت الأجل قليلا إلا أنها تشوه الجسد وتسقط الشعر. لا... لم أوافق ولذلك رفضت. أطفأت السيجارة الثانية دون أن أشعل الثالثة. الآن علي أن أطلب شعلة من أحدهم فالتدخين يسليني. يجعلني أكثر انسجاما مع جو المطار. أخرجتها ووضعتها بين شفي وجعلت أنتظر ابن الحلال الذي يملك كبريتا ويبدو عليه ذلك.

عادت إذاعة المطار للبث. اير فرانس أقلعت، السويسرية تنتظر، السورية إلى قبرص في الثانية عشرة، كل الطائرات لها أسماء ولها جهات. وكل الطائرات تدعو المسافرين للتأهب أو للانتظار، وقد وظفت تلك الدجاجة لتقوم بالإبلاغ. كل هذه الآلات المعقدة والعظيمة يسيرها صوت رفيع تكاد صاحبته أن تبيض.

والناس يتحركون كالنمل. لو قدر لك أن ترى إليهم من عل لعرفت أن النمل يتحرك بطريقة أكثر تنظيما. منهم من يذهب إلى المراحيض (حيث كنت أنا من ساعة وتمتعت بالجو المعطر) ومنهم إلى الجوازات، وآخرون يبحثون عن آخرين. بعضهم يبكي وبعضهم يكاد يطير فرحا، ولكن الباكين هم الكثرة أما الضاحكون فهم قلة. لا أعرف لماذا، ربما لأنني صنفت المرتعبين وذوي الوجوه المصفرة مع الباكين. ولكن السمة المشتركة بين جميع الموجودين في المطار هي الأناقة وحمل أو جر الحقائب. والحقائب بأنواعها متعة للنظر والتصنيف. الآن عرفت لم أحببت الجلوس في قاعة الركاب، فالحقائب المتنوعة تجعل الصالة بهيجة. حقائب سود وبيض وزرق وخضر وصفر... رقيقة وسمينة، صلبة ولينة، محمولة بالأيدي أو على الأكتاف، أو مجرورة إذا كانت من آخر صيحة ولها دواليب صغيرة في طرفها الخلفي وجلدة قصيرة في طرفها الأمامي كي تجر بها، تماما كحمار صغير.

دون متاع لا يتم السفر، أنا مثلا أحمل حقيبة كبيرة للألبسة والهدايا وحقيبة صغيرة لأشيائي الخاصة. حملي خفيف، ولكن الآخرين يكادون ينفتقون من الأحمال. لماذا كل هذا، إلى أين هم مسافرون؟ ربما إلى القمر، وربما إنهم مهاجرون ولن يعودوا فقرروا حمل كل شيء. ثم هناك مسجلات الكاسيت، أغلب المسافرين يحملون مسجلات كاسيت يابانية الصنع. ستيريو، برأس واحد أو رأسين، بألوان مختلفة وزاهية يحملونها كأنها المتاع الأخير، يتصارعون من أجلها مع رجال الجمارك، ماذا؟... هل افتتحت سوني فرعا في الوطن لتصنيعها؟

وجدت طريقة لإشعال سيجارتي الثالثة. هناك رجل يجلس قبالتي ينظر إلي باستمرار ويبتسم في بعض الأحيان. أخرج قداحة وأشعل لنفسه سيجارة. نهضت وذهبت إليه، مقعده يبعد عن مقعدي عشرة أمتار لا غير. طلبت منه بأدب أن يشعل لي سيجارتي. فعل الرجل بقداحته الذهبية موديل ديبون 84. شكرته. قلت له شكرا يا سنيور، فقال عفوا يا سيد، ثم عدت إلى مكاني.

قررت أن أحمل حقيبتي وأنطلق إلى المطعم. لقد بدأ الجوع يدب في معدتي فجأة. هكذا أنا... أجوع فجأة وأشبع فجأة أيضا. في الماضي كانت أمي تعيّرني بذلك. كانت تقول إنني أملك معدة عجيبة. أكون جالسا بهدوء أستمع للراديو، وفجأة، أحس بالجوع. أنا جائع يا والدتي فتقول حسنا انتظر حتى أفرغ من عملي. أرفض الانتظار. أنا جائع يا أمي، جائع جدا، فتترك عملها وهي تشتمني...

وكذلك كنت مع زوجاتي، خصوصا مع تلك التي ارتحمت. كانت تشتكي دائما من أنني أرعبها عندما أقول لها يا ماريتا أنا جائع. أكون قد صمت ساعات وإذ بي أطلق إنذاري بأنني جائع. المرأة تنتفض. ماريتا امرأة رقيقة تخاف من خيالها. ماريتا أنا جائع، فترتجف وتنتفض وتضع يدها على صدرها وتقول أخفتنى يا عبد الله. ربما ماتت من الرعب. من يعلم؟...

كنت سهران أقرأ في صالون بيتي في الطابق الخامس عشر من إحدى بنايات بوينس آيرس. البيوت العالية هادئة أكثر من الواطئة ولهذا السبب استأجرت شقتي في الطابق الخامس عشر، ثم إن الغبار لا يصعد إلى الأعلى إلا حين تهب الزوابع الشديدة، ولكن... في هذا العصر لا يوجد مكان بعيد عن الضجيج. أصوات السيارات وزعيق أبواقها لا تصل إلى الطابق الخامس عشر، أما هدير الطائرات فيسمع وكأن المحرك متوضع في المطبخ. هذه هي مشكلتي التي أرقتني كثيرا، ولذلك، انتقيت مبنى بعيدا عن المطار وبيتا في الطابق الخامس عشر.

ماذا كنت أقول؟... نعم، كنت سهران أقرأ في الصالون. وكانت زوجتي جالسة تنسخ بعض أعمالها التي أتت بها من المكتب لتنهيها في البيت، فمديرها رذيل ويهددها بالطرد. صحت... ماريتا أنا جائع، ثم تابعت القراءة. كنت أقرأ رواية " بيدرو بارامو" للمرة الثالثة، فهي جميلة جدا ومعقدة جدا. كيف يمكن لرجل ليس له علاقة بالأدب أن يكتب رواية وحيدة ثم يقلع عن التأليف؟ هذه الرواية ليست بعادية، مازالت حتى الآن حديث الناس والنقاد. (ولهذا السبب أعدت قراءتها ثلاث مرات)، كنت قد وصلت إلى، حيث يضاجع الأخ أخته، فلم أنتبه إلى أن ماريتا لم تنهض ولم تجبني بنعم أو لا. كانت ماريتا ميتة حينما التفت إليها.

- هذا هو... هذا هو... الحمد لله أننا وجدناك.

كان رجل الجمارك مع أحد رجال الأمن. وضعت الحقيبة في حضني وعدت إلى الجلوس. جلسا إلى جانبي. ماذا حدث هل يوجد خطأ لا سمح الله؟. كلا، نريد بعض الاستفسارات فالاستمارة التي كتبتها غير مفهومة، تفضل أنا جاهز للإجابة يا سنيور بوليسيا.

- اسمك عبد الله مشحوَر أليس كذلك؟...

- نعم...