Print

رواية السرطان

- أهلا وسهلا، يا مرحبا، أهلا وسهلا بك في بلدك.

قال رجل الجمارك الذي التقيته مرة أخرى في مراحيض المطار. ابتسمت له. ابتسم لي. غسلت يدي بالماء والصابون المعطر. المرآة تعكس صورتينا. أنا أنظر إلى خياله، وهو ينظر إلى خيالي. الرجل نظيف جدا. جعل يغسل يديه للمرة الثانية. المرة الأولى قبل التبول، والمرة الثانية بعده، وأنا أنظر إلى خياله في المرآة الصقيلة التي تظهر صورتي في أحسن حال. مرآة تجدها في أغلب مراحيض المطارات في العالم.

أنوار مبهرة ساعدت على توزعها بهذا الشكل المنتظم الجدران والسقف السيراميكي. حتى الأرضية كانت تضهج. نظيفة لامعة شهية. أين تستطيع أن تجد أرضية مراحيض نظيفة؟ في المطارات طبعا، في المطارات يا أخ. والأحواض، ما بها؟ بيضاء صقيلة، لامعة كأنها مرآة هي الأخرى، تنساب عليها المياه وكأنها زئبق، لو سقطت أسناني الصناعية في الحوض لرفعتها ودسستها في فمي دون أن أشعر بحاجة إلى غسلها.

أغلقت الصنبور النيكلي اللامع ذا القبضة الزجاجية المزخرفة، ثم فتحته من جديد. كأنك يا عبد الله قادم من القرية. قادم من أبعد قرية في وطنك، ولست قادما من بوينس آيرس، حيث الحضارة كما هي في مراحيض مطار الوطن، وكأنك تلمس هذه الأشياء للمرة الأولى!

- أهلا وسهلا بابن العرب!

تابع رجل الجمارك الذي كان قد اكتشف اسمي العربي من جواز السفر الذي أحمله، والذي قدمته له ليضع عليه ختمه ذا اللون الأحمر. كان يجفف يديه على آلة التجفيف. كان سعيدا بمرور الهواء الساخن خلال أصابعه. إنها لذة على كل حال، بينما كنت أغسل وجهي، بالصابون المفعم برائحة الصنوبر. لا أعرف لماذا تستهويني مراحيض المطارات، ولا أعرف لماذا أمكث فيها مدة أطول كلما سافرت. أظنني مصاب بمرض المراحيض، المراحيض الأنيقة، حيث تفوح رائحة عطرية خاصة، وحيث تعمل شرّاقات الهواء بقوة. جففت وجهى وسرحت شعري الشائب وخرجت لاحقا رجل الجمارك.

ماذا أكتب؟ يا لي من سخيف! مراحيض المطارات، وشرّاقات الهواء، والصابون ذو الرائحة الصنوبرية!..

ورغم أن هذه الأمور طبيعية، وأنا فعلا من هواة الجلوس في المراحيض بينما أدخن وأقرأ الروايات التاريخية، إلا أن هذه الأشياء لا تخطر ببالي إلا عندما أكون في حاجة ماسة إلى الجلوس، أي أنني لا أتجول في المراحيض فقط للنزهة.

في الماضي كنت أكره النهوض من على الكرسي، في بعض الأحيان يخاف المرء من أن تنزل أمعاؤه في النهاية. ولكن عندما شاب شعري وأصبحت في الخامسة والخمسين وأصبحت أمعائي تعمل بكسل، أصبح لزاما علي أن أجبر نفسي على الجلوس أكثر والاستماع إلى الموسيقى وقراءة المجلات المصورة على طريقة والت ديزني والكتب التاريخية التي تتحدث عن الحروب الصليبية في الشرق.

أنا في الستين، شيء هائل، جميل، مؤسف، عمري طال ستين سنة حتى الآن. أي سبعمائة وعشرين شهرا، أي عشرات الألوف من الأيام، أطحن طعامي بأسنان صناعية، نحيل، ذو وجه طويل، وجبهة عريضة لا تمنحني وسامة خارقة. شعر ناعم أبيض يشوبه سواد خفيف مسبل على الصدغين. لقد شاهدت نفسي منذ قليل في مرآة مراحيض المطار إيطالية الصنع. ها قد عدنا من جديد إلى المراحيض، وربما يا أيها القارئ، قد بدأت تشم رائحة غير طبيعية، ولكنني أذكرك أن مثل هذه الروائح لا توجد إلا في مرحاض بيتك، عذرا، فأنا لا أشتمك، فوظيفتي أن أتملقك وأدغدغك كي تصدقني وتقرأ كلامي إلى نهايته، لا أن تقـذف بالكتاب بفقدان صبر وحقد عبر النافذة إلى الشارع.

نعود إلى ما كنا نقوله. إذن أنا في الستين. من مواليد 1926، عشية الأزمة الاقتصادية العالمية. في العام الذي ولدتني فيه أمي، أفلس أبي. وفي السنة التالية أفلست أمريكا. سمّوني عبد الله. أنا عبد الله. هذا غريب! كان عليهم أن يسمّوني باسم آخر له دلالات الإفلاس والندب والعويل. قال أبى حينها- هكذا قالت لي أمي بعدها- إنني كنت نحسا عليه وعلى تجارته، والحمد لله أن أمريكا لم يصل إليها كلامه ولم تقتنع به. ماذا كان سيحصل؟ عندما كبرت أصبحت الكوابيس تلاحقني. كنت أتكوبس (من الكوابيس) أن أمريكا رغبة منها في الحفاظ على مصالحها الحيوية وعلى اقتصادها الذي بدأ ينهار نتيجة ولادتي ومجيئي النحس إلى هذا العالم المتفائل والشريف، جاءت بأساطيلها لتختطفني ثم لتعلق مشنقتي في الجادة السابعة في نيويورك. في أحد هذه الكوابيس رأيت امرأة عجوز تصفق بحماس لإعدامي شنقا حتى الموت. أخرجت لها لساني، وعوضا عن أن تبصق في وجهي، بلعت ريقها ثم غمزت لي بعينها. المهم... أنهم لم يعدموني، فأنا حي حتى الآن، وأصبح عمري ستين سنة.

سوف أتكلم قليلا عن هذا الحدث العظيم. يقال إن عمري ستون سنة. وإني أعيش الذكرى الستين لمولدي، أو يمكن القول: ستينية عبد الله المنحوس. كل ذلك له معنى واحد لا غير، وهو أنني قد عشت ستين سنة وأنني لن أعيش غيرها.

حسب علمي فقد مات فرانز شوبرت وهو في الحادي والثلاثين، موزارت لم يعش سوى ستة وثلاثين عاما. وبوشكين مات وهو في ريعان الشباب. وعاش الاسكندر المكدوني إحدى وثلاثين سنة فقط لا غير.

قبل قليل ذكرت ما يلي: "إنني قد عشت ستين سنة وأنني لن أعيش غيرها". ما معنى هذا الكلام؟ هل تريد أن أقول لك يا قارئي العزيز لماذا لن أعيش سوى ستين سنة؟ أي أنني سأموت هذه السنة؟ تعال معي إذن إلى صالة المطار، صالة الركاب، لأنني سأجلس على أحد المقاعد، وبجواري حقيبة سفري ذات العجلات، وحقيبة سامسونايت سوداء، فأنا أحب أيضا الجلوس قليلا في المطارات، في صالات الركاب، وفي مقاهيها. توجهت نحو مقعدي الجلدي الوثير حيث تركت حقيبتي بأمانة إحدى المسافرات الشابات اللواتي تراهن بكثرة في هذه الأيام، وقبل أن أجلس وأمتع نظري بعظمة المبنى وزخرفته الشرقية، صافحني رجل الجمارك وقال: سوف تكون سعيدا في وطنك أيها الأخ العربي. هنيئا لك بعودتك!

احمر وجهي للمرة السابعة، كم هم لطفاء. رجل الجمارك هو الموظف الوحيد المكروه في كل الدنيا وكل المطارات. إنه في العادة ذو وجه جامد وقبيح، وإن ابتسم، فبسمته صفراء مليئة بالسخرية والحزم والرهبة. يراقبك بذكاء، قد ترتبك، فيعاود التفتيش. نسيت من قال لي إن رجال الجمارك يراقبون حنجرة المسافر. جوزة حلقه. فإن قام بابتلاع ريقه حين يسأل فالويل له. ولكن هذا الرجل لطيف. إنه من القلة الذين تقابلهم، ويتحلّون بأخلاق عالية. وبعد فليل أرسل إلي فنجانا من القهوة المركزة. ابتسمت المسافرة الشابة ولم تقل شيئا. حسبت أنني قد رشوت الموظف فكافأني بفنجان من القهوة. يا لها من شريرة هذه الشابة. رأتني كيف أدخل المراحيض، وكيف لحقني الموظف. حسبت أننا رشونا بعضنا بعضا في المراحيض.

شربت القهوة. نسيت أن أدعوها لمشاركتي بارتشافها. اعتذرت لها، فقد كانت تراقبني بطرف عينها. بماذا تفكر؟ فتاة في الثامنة عشرة تراقب رجلا في الستين، نحيلا شائب الشعر أصفر الوجه.

سألتها بعربيتي المكسرة والمحطمة والعتيقة:

- هل تريد السنيوريتا أن تشرب قهوة؟

لم تفهم. أنا الغريب في هذا الوطن الرائع، أعدت سؤالي ثلاث مرات. فهمت أخيرا. ابتسمت فانتفخت الوجنتان وضاءت العينان الشهلاوان وهي تقول:

- شكرا شكرا لا أريد!

هززت رأسي كجد خبير ومحنك. بعد قليل علا صوت المكبر. قوقأت دجاجة المطار:

- كاك، كاك، كاك، المسافرون على آير فرانس إلى باريس وروما كذا وكذا أن يفعلوا.

نهضت الفتاة وكأن شيئا لسعها. هذه إذن طائرتها. آير فرانس. صافحتني بتهذيب شديد. قمت بدوري. قالت لي وكأني لم أفهم:

- هذه طائرتي. أنا مسافرة إلى باريس.

قلت وقد أصابني خجل عظيم:

- لماذا؟

تعجبت قسمات وجهها لسؤالي. كيف لماذا يا ملعون؟ إنها ببساطة مسافرة وهل تريد أن ترحل معك؟ ولكنها أجابت عن سؤالي بخبل أشد من خبلي إلا أنه كان أجمل:

- لقد خطبني دكتور طبيب يتخصص في باريس.

احمر وجهها، ربما كانت تريد الاحتفاظ بسرها لنفسها. ولكنني أخطأت، فقد استمتعت هي بسرد قصتها:

- لم نتزوج بعد. أرسل إلى والده وكالة عامة تخوّله كتب كتابه علي في المحكمة. وجدت نفسي أسألها ونحن واقفان:

- ولماذا لم يأت هو؟